المريض يبتز الطبيب!

الأحد 2014/02/23

في مصر - فقط - يحدد المريض ما سيدفعه له الطبيب.. كليات الطب المصرية تشترط على طلاب السنة النهائية الكشف على مرضى المستشفيات الحكومية، وكتابة تقرير عن حالتهم وما يعانونه من أمراض والأدوية التي يتعاطونها.. ولأن عدد الدارسين كبير ولا يقدر كثيرون على رسوم الدروس الخصوصية للأساتذة، فإن هؤلاء الطلاب الفقراء يواجهون شبح الرسوب إذا ما أخطأوا في تشخيص حالة المريض الذي يشاطرهم الفقر.. ومن ثم فإن المريض يساوم ويبتز الطالب ليحصل منه على أقصى نقود مقابل أن يعطيه قائمة بأمراضه وأدويته.

المرضى حددوا لائحة بأسعارهم فمن يعاني مرضا واحدا يطلب 30 جنيها، ومن يقاسي من القلب والسكر والضغط يطلب 70 جنيها، ومريض السرطان يطلب 150 جنيها، وهكذا..

موسم امتحانات كليات الطب هو باب الرزق الذي ينتظره المرضى بالمستشفيات الحكومية، فيدفعون من النقود التي يتقاضونها مصاريف أولادهم بالمدارس ودروسهم الخصوصية ويشترون اللحوم والأطعمة التي لا تتناولها عائلاتهم إلا في موسم الامتحانات.

عيدا الفطر والأضحى وشهر رمضان ليسوا هم من يحتفل بهم المرضى، ولكن شهرا امتحانات نهائي الطب في يونيو ويوليو من كل عام.

وعلى الجانب الآخر يرتكب الأطباء الصغار أخطاء فادحة يدفع ثمنها المرضى الغلابة في العيادات المجانية بالمستشفيات.. فقد حدث أن ذهب أحد الفقراء للعيادة المجانية بكلية طب أسنان القاهرة ليعالج ضروسه.. طبعا كان لا بد من عمل تحليل له وظهر أنه يعاني من مرض السكر، الذي يتطلب إجراءات معقدة قبل خلع الأسنان أو معالجتها، لكن الطالبة المتدربة التي جاءت لتعالجه نسيت تماما أنه يعاني من السكري وبالتالي أعطت له جرعة زائدة من البنج أو العكس.

المهم أن الفتاة فوجئت بنزيف حاد وعنيف من المريض، فارتبكت وتوترت وأدى هذا الارتباك والتوتر إلى عدم طلبها للمساعدة وبالتالي توفي المريض.. جاءت زوجته باكية وأجبروها على التوقيع على ورقة تعفي الكلية والفتاة من أية مساءلة أو مسؤولية.. لم تعاقب الفتاة ولم تأخذ الكلية أي إجراء استثنائي بسبب تلك الواقعة، والفتاة حية ترزق مستمتعة بحياتها ومازالت تفحص المرضى بقلب جامد، فحتى لو ماتوا فلن يفعل لها أحد شيئا!

وهكذا أصبح الطب في مصر إما تجارة للمرضى أو إهمالا جسيما من شباب الأطباء وبالتالي لن تجد طبيبا -إلا نادرا- يحاكم على أخطائه القاتلة أو تشطبه النقابة من سجلاتها، كما لن تجد مريضا يحاسب على استغلاله جسده في الثراء غير المشروع لأنه “غلبان”.. وسط هذا المناخ أعتقد أنه من المستحيل في مصر تطبيق قانون التأمين الصحي!

24