المزاج المصري.. لا للدولة الدينية

السبت 2014/01/18

أتم الشعب المصري في 15 يناير 2014 بجدارة منقطعة النظير أول وأهم مرحلة من المراحل الثلاث لخارطة المستقبل، التي اختارها بنفسه، وارتضاها لوطنه، بخروجه الكبير بتاريخ 30 يونيو 2013، وهو اليوم الذي أعلن فيه رفضه القاطع للجماعات الإسلامجية، التي كانت تُسابق الزمن لتمكين أعضائها من جميع مفاصل الدولة، لتؤسس بذلك لقيام حكم فاشي قاس يتخذ من الدين غطاء لقهر العباد والسيطرة على البلاد.

وبغض النظر عن إدعاءات الدول التي تتخذ من الإخوان والجماعات الإرهابية حصان طروادة لإعادة تشكيل المنطقة العربية تحقيقا لمصالحها، فإن نتيجة الاستفتاء على دستور 2014 تمثل لطمة قوية على جبين من يدعون أن ما حدث في 30 يونيو كان انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الشرعي للبلاد، حيث جاء الرد الشعبي قاهرا للشرعية المكلومة، فالذي أعطى مرسي الشرعية هو نفسه من سحبها منه، إنه الشعب، فالشرعية ليست حالة جامد لا صاحب لها، إنما هي إرادة جماعية بيد الشعب، يمنحها لمن يشاء وينتزعها ممن يشاء، وقد قرر انتزاعها من مرسي وجماعته وإلى الأبد.

إن من ينظر إلى خروج الشعب المصري للمشاركة في الاستفتاء على الدستور، وما أبداه من إصرار على تأييده، يكتشف أن المصريين أرادوا توجيه رسالة تحدّ لإرهاب الإخوان الأسود الذي حاول طوال الشهور الماضية، بكل الوسائل تنغيص حياتهم، فما خافوا ولا جزعوا، كما رغبوا أن يعلنوا للدنيا بأسرها أن في مصر شعبا عظيما، وأنه وحده من يختار دستوره وحكامه بإرادته الحرة، وأرادوا أيضا الاحتفال بالتخلص من الكآبة التي أحاطت بهم خلال فترة حكم الإخوان وحلفائهم. ولكن ماذا نستنتج مما قام به المصريون بدءا من 30 يونيو وحتى تصويتهم لصالح دستور 2014؟

شعر المصريون إبان فترة حكم مرسي أنهم سيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وأنهم لن يأمنوا على حاضرهم ولن يطمئنوا على مستقبلهم، وسيعيشون تحت رحمة الأفكار الرجعية لأتباع الجماعة الإرهابية الذين انتشروا في البلاد كالجراد، معرفين أنفسهم بأصحاب المشروع الإسلامي الغامض، والذين اشرأبت أعناقهم، وعلت أصواتهم، وأطلقوا ميليشياتهم تعيث في المصريين قتلا وجرحا وتعذيبا عند أول خلاف سياسي عُرف باسم موقعة الاتحادية، فكان ذلك أسوأ عنوان للدولة الدينية التي أراد مرسي وجماعته إقامتها في مصر.

لقد بدا واضحا للمصريين أن المشروع الإسلامي بهذا النهج ما هو إلا خديعة كبرى، وعصا غليظة لن تكون إلا وسيلة لقهرهم باسم الدين، واكتشف الناس أن الدولة التي ستقوم على هذا الأساس ستكون بالضرورة دولة متخلفة فاشلة، يديرها حفنة من تجار الدين، فاقدي الوطنية، يحركهم تنظيم قميء يدير جميع الجماعات الإرهابية التي عرفها العالم. ولأن الشعب المصري من أكثر الشعوب تدينا ووطنية، كان لزاما عليه أن يثأر لدينه ولوطنه، وكان سبيله لذلك التخلص من نظام المرشد وجماعته، كما سبق أن تخلص من نظام مبارك وحقبته، لإفساح طريق المستقبل لبلاده التي يعشقها ويعلم أنها تستحق مكانا مرموقا بين الأمم.

كاتب مصري

9