المزادات الفنية كذبة.. هل علينا أن نصدقها

الثلاثاء 2017/04/25
مزادات تسوق الأوهام

مبدئيا علينا أن نعرف أن سوق الفن شيء، ومزاد التحف الفنية هو شيء آخر. منطقتان لا تتقاطعان إلا في الجزء الذي يتعلق بشبهة البضاعة التي يعتقد البعض أنها واحدة. والحال أن لكل طرف بضاعته المختلفة وإن بدت لغير الخبراء كما لو أنها واحدة. في الحالة العربية ساهمت المزادات الفنية وبالأخص مزادي سوثبي وكرستيز في خلط الأوراق بحيث صارت البضائع التي هي مادة سوق الفن ممكنة على مستوى التداول في المزادات. ولم يحدث ذلك إلا لأننا لا نملك سوقا فنية واضحة المعالم، بمعايير واضحة وشروط محددة. لذلك كان الاختراق الذي حدث قبل أكثر من عشر سنوات ميسرا بالنسبة لمزادين عالميين يملكان من الخبرة في مجال تجارة الفن ما لم يتعرف العرب على القليل منها.

المزادان ليسا حديثي العهد بما صار يسمى بالسوق الفنية الموازية. فسوثبي تأسس عام 1744 أما كرستيز فقد تأسس عام 1766. وهو ما يعني أن الحديث عن المزادين لا بد أن يصل بمراميه إلى مسألة اختراق ممرات سرية امتزج فيها المال بالفن، بما يعزز صفة السلعة النبيلة ويضع الأعمال الفنية في مكان افتراضي باعتبارها نفائس. وهو ما استدعى وقوع تنافس بين مقتني الأعمال الفنية الذين يتوزعون بين فئتين؛ الشغوفين بسحر القطع الفنية وهم عشاق غامضون، والمستثمرين ممن قرروا أن يزجوا بالفن في سوق البورصة وهي الفئة الأكثر عددا وأشد سطوة.

في الحالتين فإن تلك السوق الموازية لا معايير نقدية ثابتة لها وإن جرت بها التوقعات بها مجرى الأوهام التي تشبه الحقيقة. فما من شيء مؤكد فيها إلا في ما يتعلق بأعمال الفنانين المتحفيين، وهي أعمال صارت نادرا ما تُعرض علنا للبيع. تباع تلك الأعمال عن طريق مفاوضات سرية معقدة، يخضع الشاري من خلالها لعمليات ابتزاز مختلفة.

المزادات لم تضر بسوق الفن من جهة تعطيل السعي في اتجاه البحث في إمكانية ظهورها حسيا، بل أيضا أضرت بالفنانين الذين روجت لأعمالهم حين علقتهم بأسعارها الخيالية في مكان لن يرضى به الواقع

وليست الأرباح الهائلة التي تحققها مزادات الفن إلا دليلا على الكفاءة في تسويق الأوهام تشجيعا على قيام المنافسة بين المقتنين الذين غالبا ما تحرص المزادات على إخفاء هوياتهم بحجة الخوف على أمنهم الشخصي. فالسوق الفنية الموازية التي أقامتها تلك المزادات تعتمد بالدرجة الأساس على التحريض على المنافسة بغية صنع مزاج ملائم لتخطي الأسعار الأولية التي يحددها خبراء تلك المزادات. لذلك تحرص المزادات على أن تؤثث فضاءها بالشائعات التي يتولى عدد غير محدود من الصحافيين إشاعتها وبالأخص في ما يتعلق بالأعمال الفنية التي تعود لفنانين لا تزال قيمتهم الفنية موضع جدل. وهو ما يجري تماما في دبي.

بيعت أعمال عدد من الفنانين العرب من خلال مزادي كرستيز وسوثبي في دبي بأسعار مذهلة، فهل علينا أن نصدق أن تلك الأسعار يمكن أن تنتقل إلى السوق الفنية الواقعية لتكون قاعدة للتعامل مع أعمال أولئك الفنانين، الأحياء منهم بالأخص؟ لا شيء من ذلك يمكن أن يقع وإن تمنى مروجو الأعمال الفنية وقوعه.

فالأوهام التي تسوقها المزادات لا يمكن تسويقها في السوق الفنية، إن وجدت تلك السوق. وإذا ما كانت سوق الفن لا تزال تابعة للارتجال، فإن إقبال بعض أصحاب القاعات الفنية على عرض مقتنياتهم للبيع من خلال المزادات يزيد من تدهور سوق الفن التي لا تزال عربيا تعيش وضعا افتراضيا. فالأسعار الخيالية التي بيعت بها أعمال عدد محدود من الفنانين العرب لا تشكل معيارا لتحديد قيمة هذا الفنان أو ذاك على المستوى التجاري.

هناك فنان لبناني تخطت أسعار لوحاته في المزادات المئة ألف دولار أميركي لا أعتقد أن بائعها يجرؤ على عرضها في قاعته الفنية ببيروت بربع ذلك الثمن. ثم إن هناك مسألة أخرى في ما يتعلق بعملية الترويج لذلك الفنان. لقد بيعت أعمال الفنان في دبي بتلك الأسعار، فلمَ لم تقدم المزادات على عرض أعماله للبيع في باريس ولندن ونيويورك؟ من المؤكد أنها لن تجرؤ على القيام بذلك فهي تعرف أنها لن تحصد أرباحا خيالية من خلال الترويج لأعمال ذلك الفنان إلا أمام جمهور عربي، ضللته الشائعات المرتبطة بالهالة الإعلامية التي أحاطت المزادات نفسها بها.

المزادات تكذب وهو ما يخدم مشروعها في جني الأرباح في عملية يغلب عليها الكثير من التضليل. فما يجري واقعيا أن المزادات دخلت وسيطا بين طرفين هما في الحقيقة طرف واحد. إنها تبيع بضاعتنا لنا. وهي لا تفكر في عرض بضاعتنا للبيع أمام الآخرين.

المزادات لم تضر بسوق الفن من جهة تعطيل السعي في اتجاه البحث في إمكانية ظهورها حسيا، بل أيضا أضرت بالفنانين الذين روجت لأعمالهم حين علقتهم بأسعارها الخيالية في مكان لن يرضى به الواقع.

12