المزاد الإلكتروني

اللافت في الأمر، أنه من خلال كلمات الفنانين جميعا يمكن استقراء حجم المأساة التي يعيشونها والمشتركة في أكثر من جانب.
الجمعة 2018/03/09
مزايدة محمومة على عمق الجراح

لا يستلزم المزاد الإلكتروني حضور الأشخاص جسديا إلى مكان مُحدد كما هو الأمر مع المزاد العلني التقليدي الذي يتطلب حضور المشاركين في عملية المزايدة إلى ما جرى على تسميته بـ”الحراج”، لكن يتطلب هذا المزاد كغيره من المزادات بأن يقوم شخص أو مجموعة، عبر شبكة الإنترنت، بإدارة عملية المزايدة حتى الوصول إلى رقم، أو لربما فكرة لا يستطيع أحد من المشاركين المُضي في المزايدة عليها.

هذا ما يحصل مؤخرا على شبكات التواصل الاجتماعي، لا سيما الفيسبوك ما بين أشخاص من الجنسية السورية واللبنانية والفلسطينية، كما احتدم أمر هذه المزايدة حدّ التجريح، وإن كان غير مقصود، في أحيان كثيرة ما بين فنانين تشكيليين، معظمهم من الأصدقاء، أما الموضوع الذي تتم المزايدة عليه هو أي جنسية هي الأبلغ جرحا، أو تمتلك أكثر الضحايا حتى الآن.

ولعل الطرف اللبناني هو الأقل احتداما في النقاش وفي تصعيد عملية المزايدة، ويقتصر دوره على التخفيف من وتيرة النقاش عبر تقديم بضعة نصائح وحكم استقاها من خبرته الشخصية في أشكال الحروب وأنواعها.

لا شك أن الأمر مؤسف، بل هو دليل قاطع على “أرذل العمر”، فأن يتهم السوريون الفلسطينيين بأنهم “يسرقون الأضواء” منهم بسبب الحرب على أرض سوريا ليصبحوا في عين المجتمع الدولي أهم من غيرهم من الشعوب. هذا ما حدث مع فنانة تشكيلية سورية لها أعمال فنية رائعة، أبدت على صفحتها الفيسبوكية امتعاضا شديد اللهجة، إن لم نقل أسوأ من ذلك، للاهتمام المبالغ فيه، برأيها، الذي تتلقاه الصبية الفلسطينية عهد التميمي.

في حين أطلق بعض الفنانين الفلسطينيين هجومهم على الفنانين السوريين الذين اعتبروهم أحسن منهم حالا، بالرغم من كل ما يحصل لهم، لأن أرضهم غير محتلة ويملكون جنسية وغير محرومين من أدنى الحقوق المدنية.

وطبعا يجيء دور الفنان اللبناني ليقف بينهما مشدوها لما يحصل، ومحاولا تهدئة وتيرة المزايدة السريالية/المأساوية التي لا تمت إلى المنطق بأي صلة.

أما اللافت في الأمر، أنه من خلال كلمات الفنانين جميعا يمكن استقراء حجم المأساة التي يعيشونها والمشتركة في أكثر من جانب، كما سيُلمس تعاطفهم مع بعضهم البعض وهم في عزّ عملية مزايدة محمومة على عمق الجراح، عملية لم تؤد إلاّ إلى المزيد من المرارة والتباعد بين شركاء الجرح الواحد ذي الأوجه المتعددة.

والشاهد على هذه العملية، سيلحظ كيف أن خطابهم تتخلله اعتذارات وكلمات مؤاسية ومُشجعة على التفاؤل قبل أن تعود النبرة الحادة ما بينهم إلى الاحتدام من جديد.

ولا يأخذنا هذا النقاش الدائر ما بين هؤلاء الفنانين التشكيليين إلى مدى الأسى الذي يشعرون به فحسب، بل يردّنا إلى سمات أعمالهم التشكيلية التي تشترك في نواح كثيرة وتختلف بشكل عام على مستوى واحد يمكن ملاحظته بعد تأمل بسيط.

ففي حين تبدو أعمال الفنانين التشكيليين السوريين تضجّ بالجرح الحيّ، تتميز لوحات الفنانين التشكيليين الفلسطينيين بتدفق غرائبي يعج بغنائية واخضرار الأرض المفقودة كما عرفتها الذاكرة الجماعية وكما تستدعيها الذاكرة الآنية، في عملية استرجاع رمزية وسحرية لفلسطين المحتلة.

أما الفنانون اللبنانيون فتتميز أعمالهم بشكل عام بأنها تنحى أكثر فأكثر إلى الفنون التجهيزية والفوتوغرافيا تحت تأثير التيارات الفنية الأوروبية والأميركية مع اهتمام متزايد بالبيئة الطبيعية، وقضايا المرأة، و تظهير مُضاعف لأزمة الهوية التي باتت جزءا لا يتجزأ من ذات الهوية الفنية اللبنانية.

أزمة ليست جديدة البتة وقد عاش فصولها التشكيليون اللبنانيون على أكثر من صعيد وعبروا عنها طويلا، إن من خلال تكريسها في أعمالهم الفنية أو من خلال محاولة الخلاص منها نحو التزام مشرقي يريد أن يعلن عن ذاته كنص بالغ المُعاصرة ومنسجم في الآن ذاته مع خصوصيته العربية.

17