المزايدات بشأن القدس مفيدة

الخميس 2017/12/14

قرار منظمة التعاون الإسلامي الاعتراف بفلسطين وعاصمتها القدس الشرقية هو إعلان انتهاء المبادرة الأميركية في المنطقة، وعودة محور الاعتدال العربي سنوات إلى الوراء في المواجهة مع إيران. القرار منطقي ومطلوب من حيث الجوهر والتوقيت، لكن تبعاته ستتخطى حدود فلسطين وإسرائيل إلى ما هو أبعد من ذلك.

المسألة استراتيجية بالأساس. مشكلة معسكر الاعتدال أنه لا يريد أن يفهم أن خطاب المزايدات ليس سيئا دائما.

لا أحد يمكنه أن يدعي أن المسؤولين في دول الخليج ومصر والأردن، وبالطبع السلطة الفلسطينية، لا يريدون جميعا مصلحة الشعب الفلسطيني أو لا يعارضون جوهريا اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل. لكن ترجمة هذه المواقف لا تتطلب مقاربة دبلوماسية قائمة بطبيعتها على التعقل السياسي فقط. هذا وحده لا يقنع الناس.

المعنى البسيط من وراء ذلك هو أن التصعيد بخطاب شعبوي مقابل ضروري لإبقاء القضية الفلسطينية ضمن المجال العربي، وعدم فقدانها وسط زحام إسلامي أوسع. النظام الإيراني، الذي يستمد شرعيته من “معاداة” إسرائيل، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أقرب أصدقاء إسرائيل، تمكنا معا من أخذ زمام المبادرة بخطاب موحد ضد إسرائيل. لم يمثل التناقض الجوهري بين علاقات طهران وأنقرة مع تل أبيب في مرحلة ما قبل الأزمة عائقا لتوحيد المزايدات على الموقف العربي.

الفرق الأساسي هنا هو أن النظامين إسلاميان. الإسلاميون يخاطبون المشاعر الدينية عند الجماهير، وكلنا يعلم ذلك. لكن ماذا يخاطب المعتدلون في نفوس جماهيرهم؟ ما هي الفكرة البديلة لدى أنظمة الحكم العربية عن “القبائلية” التي تنتهجها تنظيمات الإسلام السياسي وأنظمة الحكم المتطرفة؟

إذا لم يجد الناس إجابة مقنعة على هذه الأسئلة فسيبدأون التفكير في شرعية الحكم في أساسها. هذا يتجسد بشكل خاص في الأراضي المحتلة والأردن.

خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس مغاير للطبيعة الدبلوماسية الهادئة التي عادة ما تميّز رؤية فتح عن الأسس التي تقوم عليها حركة حماس. لكن التصعيد الذي لجأ إليه عباس، خصوصا ضد الولايات المتحدة، خلال مؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي بشأن القدس وقبله كان ضروريا بسبب عظم الخطب، ولكن أيضا لإيجاد مخرج من مأزق خطاب “الانتفاضة” الذي تبنته حماس.

في النهاية أنظر أي الخطابين واكب مشاعر الفلسطينيين. في استطلاع للرأي نشره “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية”، ومقره رام الله، قال 70 بالمئة من المستطلعة آراؤهم إنهم يريدون رحيل عباس، فيما قال 26 بالمئة منهم إنهم يريدون بقاءه في منصبه.

هذا الاستطلاع نشر الثلاثاء، أي بعد أسابيع قليلة من الإعلان عن المصالحة الفلسطينية. المصالحة نفسها هي تجسيد لاستسلام حماس لمتغيرات إقليمية سحقت تيار الإسلام السياسي ونسفت أي إمكانية لاستشراف مستقبله. من المفترض أن هذه هي أكثر أيام فتح عنفوانا وقوة.

جاء إعلان ترامب بشأن القدس ليقلب المعادلة تماما. استبدلت فتح مقعدها بمقعد حماس، وانتقلت حماس إلى الجهة التي كانت تجلس فيها فتح. هكذا في يوم وليلة.

ما حال خطاب المزايدات الآن؟ أليس مفيدا للدرجة التي يمكن أن يقلب الأمور رأسا على عقب خلال الأحداث المفصلية في المنطقة؟ خذ مثلا رد فعل العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وانظر إلى طريقة تعاطيه مع المسألة من منظور جماهيري. إلى جانب شرعية إشراف الأردن على مقدسات القدس ومعاهدة وادي عربة، ثمة جهد أردني مبذول للحاق بخطوات الجماهير المسرعة. أكاد أسمع تعالي أنفاس الحكومة الأردنية في ركضها خلف مشاعر الناس المتقلبة، وأيضا لمواكبة تعاطي إيران وتركيا مع القضية.

الأردن، الذي يشكل الفلسطينيون أكثر من 70 بالمئة من سكانه، يفهم أن موقعه الملاصق للأراضي المحتلة ليس كافيا كي يحوله إلى جزء من الحل، بدلا من أن يكون جزءا من المشكلة. الجغرافيا وحدها لا تستطيع معاجلة نواقص التاريخ.

استثمار الوقت والجهد والأموال في التحذير من المتاجرة بالقضية الفلسطينية ضرورة لبناء وعي جماعي وواقعي كخطوة أولى نحو تقديم مقترحات مقبولة للحل. كل هذا مطلوب، لكن ليس الآن.

عندما يكون الجرح مفتوحا، لا يكون المهدئ علاجا مناسبا. الجرح يحتاج إلى خياطة كي يلتئم أولا، ثم يأتي بعد ذلك دور العقاقير. بعد إعلان ترامب، قدمت الدول العربية إلى الجماهير الجريحة حبوبا مهدئة، لكن إيران وتركيا كانتا جاهزتين بالخيط والإبرة.

إهدار الفرص تاريخيا يخلق صدمة في المجتمعات تدفعها، رغما عنها، إلى البحث عن بدائل تعبر عن قناعاتها بشكل أفضل. ليس ثمة خلاف على أن شعبوية جمال عبدالناصر وخطابه المتهور كانا المقدمة للنهاية المنطقية المتجسدة في هزيمة 1967. الجميع صار يعرف ذلك الآن، في قمة المجتمعات العربية وقاعها على حد سواء. رغم ذلك مازال ناصر عند الناس بطريقة ما هو “الزعيم” العربي التاريخي. البعث، بفرعيه العراقي والسوري، وريثا خطاب ناصر، هما امتداد لقدرته على تحريك الجماهير في الشارع، ووضع معسكر الاعتدال أحيانا في موقف دفاعي.

اليوم لا أحد يستطيع أن يجد امتدادا عربيا حقيقيا قادرا على التأثير في الناس بنفس الدرجة التي كانت متاحة لهذين الفريقين قبل ذلك. انزواء القضية الفلسطينية، مع صعود النفوذ الإيراني التخريبي في المنطقة وتعاظم دور الإسلاميين والتكفيريين معا، أجبر المواطن العربي على صرف اهتمامه إلى هذين الخطرين اللذين يلامسان حياته اليومية بشكل مباشر. وقت الأزمة أثبت هذا المواطن أنه مازال حيا، وأن قضية فلسطين مازالت تعني شيئا بالنسبة إليه.

أزمة القدس انعكاس عميق لفراغ الفضاء العربي وغياب قدرته على الفعل. الحكم بسياسة تقوم على مقاومة الإسلام السياسي، بفرعيه السني والشيعي، إلى جانب الاعتماد على “شرعية التنمية”، ينتج استراتيجية منقوصة. الاهتمام بتعليم وصحة وترفيه المواطنين ضرورة، لا ينفي الاهتمام بنفس القدر بأفكارهم وقناعاتهم والسير في دربها.

غياب هذه المعادلة يجعل المستفيد الأساسي من أزمة القدس هو الإسلام السياسي. الأمر أشبه بإجهاز جندي على ذلك العدو الذي كاد أن يقتله قبل دقائق، قبل أن يقرر نفس الجندي أن يمنح العدو فرصة ثانية كي يحاول قتله مجددا.

إيران وتركيا ستستمران في “المزايدة” على العرب في قضية فلسطين كلما سنحت الفرصة لهما بذلك. على العرب تعلم “المزايدة” بدورهم كي يحافظوا على زخم استراتيجياتهم الأخرى، وإلا فسيخسرون الاثنين.

كاتب مصري

9