المزرعة و"الأستاذ"

السبت 2017/02/18

ليست المرة الأولى التي يحرك نبيه بري، رئيس برلمان النظام في لبنان، “متهوريه” في الشوارع. فهم غبَّ الطلب بانتظار الإشارة.

فلقد اعتادوا كونهم قادرين على فعل أيّ شيء وعلى مهاجمة أيّ كان والتعرض لأي مؤسسة دون أن يكونوا عرضة لأي ملاحقة أو مساءلة، فحركة “أمل” تحميهم، و“الأستاذ” خط أحمر لا يستطيع أحد أن يقول له “ما أحلى الكحل بعينك”.

فكل قوى السلطة تطلب رضا “الأستاذ” وتقف على خاطره، فهو راعي نظـام سيطـرتها ومهندس عـلاقـة التحاصص بينها.

خدش برنامج تلفزيوني شعور”الإستاذ” ومناصريه، فحشدوا لغزوة كبرى على مبنى تلفزيون الجديد في حملتين متواليتين مساءي الثالث عشر والرابع عشر من الشهر الجاري. جمعوا خلال الحملة الثانية مناصرين وشبيحة من مختلف المناطق، وهددوا باقتحام المحطة وإحراق مبناها وكالوا الشتائم للعاملين فيها مبتكرين مصطلحات وعبارات جديدة حتى عن لغة الشارع، وفي حضور القوى الأمنية ومنها مكافحة الشغب، ثم بحضور سريّة من الجيش اللبناني، انهالوا بالحجارة على المبنى، محطمين نوافذه ومتسببين في إصابات بين موظفيه وفي أضرار فادحة في المعدات، ثم قذفوا بالمفرقعات النارية التي تسببت في حريق تم إخمـاده على الفـور، والقـوى الأمنية الحاضرة لم تتعرض لأيّ منهم بكلمة واحدة.

المسؤولون الحكوميون والوزراء المسؤولون غابوا جميعا عن السمع إلى أن وصلت رسالة المشاغبين “المحتجين”، ليطلّ أولا رئيس المجلس الوطني للإعلام عبر الهاتف ومن على أثير محطة الجديد نفسها التي تتعرض للهجوم، ليلقي باللائمة على المحطة التي بتقديره استفزت “الجمهور”. اللافت في الأمر أن حجة المهاجمين التي قيل إنها التعرّض للإمام موسى الصدر خلال البرنامج الذي يتذرعون به (دمى كراسي، حلقة 12 فبراير) كاذبة تماما، حيث لم يتم أبدا التعرض لهذا الإمام الذي فُقِدَ إثر قيامه بزيارة إلى ليبيا قبل ثمانية وثلاثين عاما، في حين أن البرنامج كان يستضيف ابن أحد رفيقيْ الإمام المختطفين معه.

والأكثر مدعاة للاستغراب هو موقف القوى الأمنية التي حضرت إلى جانب سريّة من الجيش إلى المكان. فقد كان موعد الغزوة الثانية مساء الرابع عشر من فبراير الحالي معلوما والتهديدات كانت معلنة، وقد استبقت بقطع بث القناة عن الضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء من المدينة ما يدل على إمكانية التصعيد، ومبنى المحطة التلفزيونية يقع في زاروب ضيق يسهل إغلاقه، وبالتالي منع المحتجين أو المعتدين من بلوغ مقصدهم، فلماذا تركوا ليصلوا بأعداد كبيرة إلى مدخل المبنى؟ ولماذا لم يتم التعامل معهم بالشكل الذي يمنعهم من الاعتداء على المبنى والمباني المحيطة؟

تعود بنا الذاكرة إلى مجريات الحراك المدني في العام الماضي، وكيف كان تعامل القوى الأمنية مع المتظاهرين السلميين في وسط بيروت، المحتجين على تراكم النفايات الصلبة لأشهر في الشوارع والساحات، والمنددين بالفساد وسلطته على البلاد. وقتذاك لم يَسلم المتظاهرون من الضرب وتكسير العظام والسحل والاعتقال على أيدي القوى الأمنية وفرقة مكافحة الشغب، وكانت خراطيم المياه القذرة وقنابل الغاز توجه مباشرة إلى الوجوه، في حين تم عـرض الموقوفين منهم على المحكمة العسكرية.

ولازالت المحاكمات تطال عددا من المحتجين، في حين يطالب القضاء بتغريم المحتجين حتى بأثمان القنابل المُسيلة للدموع والذخيرة والعصي الكهربائية والدروع، التي استخدمت في قمع المحتجين.

لقد برز للبنانيين بشكل فاقع الفارق المخزي في التعامل مع محتجين على فساد السلطة ومؤسساتها والقوى الممسكة فيها، وبين التعامل مع أتباع “الزعيم” من قبل أجهزة الدولة، سواء قوى الأمن أو الجيش أو القضاء. هذا إضافة إلى تواطؤ المسؤولين الحكوميين. فقانون الانتخابات قيدَ التداول وقانون الموازنة على النار، فكيف يمكن لأطراف المافيا المسيطرة أن تتصدى لعصابات رئيس المجلس؟ هذه العصابات التي وصف رئيس المجلس الوطني للإعلام في مداخلته تحركها بالعفوي، في حين تم رصد قائد شرطة المجلس النيابي، التابع للرئيس نبيه بري، كيف يسحب تلك العصابات بإشارة بسيطة منه حين انتهاء المهمة.

أما التدخلات اللاحقة لبعض الوزراء، ومنهم وزيرا الإعلام والعدل، ووضع القضية أمام القضاء فكله كلام في الهواء؛ ولن تتساوى كل الأضرار التي لحقت بمبنى المحطة التلفزيونية وتجهيزاتها والمباني المجاورة والتهديدات والشتائم، في حساباتهم، ببلاطة (حجرا) انتزعت من جدار فندق “لوغراي” في وسط بيروت أثناء قمع تظاهرة الحراك المدني والتي حوكم بسببها المتظاهرون.

هكذا يريدون لهذا البلد أن يبقى “مـزرعة” تعيث فيها عصاباتهم تعديّا وفسادا، وهكذا يبدو يتيما أعزلَ من كل سلاح، حتى سلاح الكلمة، ويمكن تنفيذ القوانين الصارمة بحق كلّ مَن لا يرتمي في أحضان رؤوس المافيات المسيطرة، وكلّ من لا يصرخ بعالي الصوت “بالروح بالدم نفديك يا زعيم”.

كاتب لبناني

8