المسألة الأمازيغية في المغرب العربي.. حقوق لغوية أم دعوات انفصال

الثلاثاء 2017/04/04
مطالبات بدسترة اللغة الأمازيغية

لئن كانت الحركة الأمازيغية، بمختلف مطالبها وشعاراتها، تعود إلى ستينات القرن الماضي بل يمكن ربطها بحدوث الاستقلال الوطني لدول المغرب العربي، إلا أن أحداث الربيع العربي، التي بدأت أواخر 2010 وبداية العام 2011، مثلت فرصة لارتفاع الأصوات المنادية بالحقوق الأمازيغية.

يمكن تأصيل القضية الأمازيغية في المغرب العربي وفق 3 مفاصل تاريخية رئيسية. المفصل الاول المركزي يعود إلى لحظة الاستقلال وما صاحبها من انسياب لأسئلة الهوية. سؤال الهوية الذي طُرح بقوة بعد خروج المحتل الفرنسي أو الإيطالي (بالنسبة إلى ليبيا) كان سؤالا ينفتح على الأبعاد الدينية واللغوية والحضارية وكان مؤديا أيضا إلى بحث سبل بناء الدولة الوطنية الجديدة.

وفي هذا السياق ولدت القضية الأمازيغية وكانت بمثابة ردة فعل على الخطاب الهوياتي المتبنى من قبل الفاعل السياسي في دول الاستقلال، والذي كان يطرح في مختلف أقطار المغرب العربي تصورات وطنية عروبية إسلامية، عُدت من قبل الناطقين باللغة الأمازيغية إقصاء أو نكرانا لدورهم ولحضورهم.

المفصل الثاني كان في البدء جزائريا لكنه أشع على أقطار المغرب العربي، بل تحول إلى مناسبة مهمة في تاريخ النضال الأمازيغي. كانت أحداث تيزي وزو في أبريل 1980، والتي حملت لاحقا توصيف “الربيع الأمازيغي” (توصيف يتبناه النشطاء الأمازيغيون) تعبيرا عن التصادم بين شريحة واسعة من الشعب الجزائري في منطقة القبائل والدولة التي تتهم من قبل الأمازيغ بكونها تنكرت للأصول التاريخية للبلاد، وأقصت الأمازيغ بأن أصرت على برامج التعريب وعلى عدم ترسيم اللغة الأمازيغية لغة وطنية رسمية (سيتم الفصل لاحقا في سياق المناورات بين السلطة والأمازيغ بين اعتبارها لغة وطنية واعتمادها لغة رسمية).

المفصل الثالث هو أحداث الربيع العربي وما أتاحته من حرية تعبير وتظاهر وتنظم، وفرت للحركات والتنظيمات الأمازيغية إمكانية البروز الإعلامي والمدني وحتى السياسي انطلاقا من مواقع التواصل الاجتماعي.

ما يمكن التقاطه من المفاصل الثلاثة أن النزعات الأمازيغية التي عرفت ألقا كبيرا بعد أحداث الربيع العربي، هو أنها أولا قضية بدأت من الفضاء اللغوي الثقافي، ثم انفتحت على المطالبات السياسية. وما يمكن ملاحظته أيضا أن منسوب المطالبة يختلف مداه وبتفاوت بين قطر وآخر، هذا مع الإشارة إلى الصلات الكبيرة التي تجمع مختلف الحركات والجمعيات الأمازيغية في أقطار المغرب العربي. وهي صلات تتخذ صبغة المساندة والتعاطف، بما يوحي بأن هذه الفعاليات تدافع عن قضية واحدة.

المطالب الأمازيغية أصبحت واضحة ومحددة، فخلافا للعقود السابقة حيث كان مطلب "ترقية اللغة الأمازيغية" مهيمنا على كل التحركات. أصبحت المطالب محددة بالاعتراف السياسي بالقضية، ودسترة اللغة والثقافة الأمازيغيتين ضمن دستور مدني ديمقراطي.

تحول الأمازيغية من مسألة ثقافية لغوية إلى قضية سياسية برر بعض المخاوف من أن تتحول هذه الأصوات إلى مطالب انفصالية. مخاوف لم تقتصر على الأجهزة الرسمية، بل امتدت إلى جهات فكرية وسياسية تدافع عن وحدة دول المغرب العربي وسيادتها، أو تطرح مطالب عروبية تسعى إلى تجاوز حالة “القطرية” و”الإقليمية” الراهنة. على أن تطور القضية إلى مستوى يشيع المخاوف، يؤدي أيضا إلى الإشارة إلى التعامل السياسي مع المسألة، وإلى الدور الخارجي أيضا.

في الجزائر كانت الأمازيغية في لحظات محددة من بناء الدولة الوطنية تمثل طعنة في مسيرة بناء الجزائر وخذلانا لمسار التعريب الذي انخرطت فيه الدولة بكل ما أوتيت من أجهزة. كان أحمد بن بلة يراه لبنة أساسية في تحديد الهوية الوطنية وفي تأكيد عروبة الجزائر. لذلك كانت الحركات الأمازيغية تحارب، حسب تصورها، سلطة تقصيهم، وتفرض روايتها للتاريخ.

البعد الخارجي يتمثل في أن الاستعمار الفرنسي كان يناور أحيانا بالرهان على دعم الأمازيغ لدعم “الجزائر الفرنسية” وللتقليل من سطوة اللغة العربية بأن يصنع لها منافسا قويا، لكن الإنصاف التاريخي يقتضي الإشارة إلى الدور النضالي والتحرري الكبير الذي مارسه الأمازيغ في مقاومة الاستعمار.

القضية معقدة وتحتاج أكثر من مبحث للإلمام بمختلف تخومها، إلا أنها تثير إشكاليات متداخلة تبدأ من التاريخي والحضاري، وتنتهي بطرق التعامل السياسي مع “الأقليات اللغوية والهوياتية”، مرورا بالجانب اللغوي. لذلك يغيب التنسيب في التعامل مع المسألة؛ قراءات تقول بمشروعية حقوق الأمازيغ انطلاقا من عراقة وجودهم في المغرب العربي. وتصورات أخرى تقول إن الحقوق الثقافية لا تبيح التطاول على سيادة الدول والمطالبة بالانفصال.

الثابت أن الوعاء الديمقراطي المدني سيكون أكثر قدرة على استيعاب مختلف التصورات، وعلى صهر الاختلافات لا إلغائها، بل تحويلها إلى عامل إثراء واعتراف متبادل.

أقرأ أيضا:

التوتر السياسي والثقافي في المسألة الأمازيغية

الهوية الأمازيغية هي الأصل في المنطقة المغاربية

12