المسألة الليبية.. والإعلام العربي

الخميس 2017/01/26

هل صارت ليبيا اليوم منسيَّة في الإعلام العربي؟ سؤال وجهه إليّ صحافي ليبي، وفي الوهلة الأولى، وأنا استمع إليه بدا لي السؤال خارج السياق العام وغبر مبرر، ذلك لأن الأحداث الليبية في دمويتها وعبثيتها طاغية على معظم نشرات الأخبار، وبشكل يومي، وأحيانا تأتي “عاجلة”، خاصة حين يتعلق الأمر بالمزيد من القتلى والضحايا، وهذا كله يثبت أن ليبيا حاضرة وبكثافة في المشهد الإعلامي العربي، غير أن السؤال السابق يطرح بقوة من معظم الليبيين، الذين ينظرون بعين السخط وعدم الرضا لتناول الإعلام العربي لأزمتهم الراهنة، مع أنه في حقيقة الأمر يبث أخبارا تؤكدها غالبية وكالات الأنباء العالمية.

الواقع يبيّن أن المسألة الليبية ليست منسيّة في الإعلام العربي، وهي أكثر حضورا واهتماما في الصحافة المكتوبة من ناحية التحليل، سواء أكانت ورقية أم إلكترونية، مقارنة بالمرئي والإذاعي، لكن لماذا لا يتفاعل الليبيون مع التناول الإعلامي العربي لقضيتهم؟ لأنهم لا يريدون أن تظل مسألتهم ومأساتهم مجرد أخبار عابرة تحصي عدد القتلى، وتجعل من بلادهم مجرد مقبرة كبيرة، وهذه الرؤية تحيلنا إلى الطفرة الإعلامية التي ظهرت في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي، والتي تجلّت أكثر في القنوات الفضائية، الأمر الذي يفترض غياب الحاجة إلى الإعلام العربي وحتى الدولي، خاصة وأن تلك الفضائيات جميعها يديرها، على جميع المستويات، مواطنون ليبيون.

المشهد الإعلامي الليبي يعتبر شريكا فاعلا في صناعة الأزمة، ليس فقط لأنه لا يمثل إجماعا وطنيا، ولا لأن الإعلام الرسمي هناك تعددّت منابره واختلفت باختلاف الفرقاء السياسيين، ولكن لأن كل وسيلة إعلامية تعبر عن جماعة أو تنظيم بما في ذلك تكريس خطابات الكراهية والعنف والإرهاب، ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعلام عربي خارجي يتحمل المسؤولية، ويتصف بالمصداقية، ويتابع الأحداث دون تحيز لأيّ طرف، ويدعو في رسالته إلى لمّ شمل جميع الليبيين، دون أن يلغي دوره في متابعة الأخبار الأخرى. وباختصار فإن ليبيا اليوم في حاجة إلى إعلام عربي جامع لا مفرق، داع للسلام لا للحرب، الأولوية لديه هي زرع الأمل وليس اليأس والقنوط.

حاجة ليبيا إلى إعلام عربي يتم اعتباره مرجعيّة قد تكون في نظر البعض أمنية أكثر منها حقيقة، ذلك لأن هناك جملة من العوامل تتحكم في الإعلامي العربي تحول دون ذلك، نذكر منها ثلاثة على سبيل المثال.

أولها تقديم المشهد الليبي السياسي خاصة، بما يتوافق مع رؤية كل دولة عربية، ومدى تأييدها ودعهما لهذا الطرف أو ذاك.

وثانيها علاقة المؤسسات الإعلامية العربية بالأطراف الليبية الفاعلة، ماديا ومعنويا، وهذا قد يجعلها مجرد امتداد للإعلام الداخلي.

وثالثها أن وسائل الإعلام العربية مرتبطة في تغطيتها للشأن الليبي بوكالات الأنباء العالمية، وهذه لها رؤيتها الخاصة للأحداث.

ومن ناحية أخرى، فإن الوضع الليبي يحظى باهتمام سياسي عربي ودولي، لكنه لا يلقى اهتماما مُمَاثِلاً على الصعيد الإعلامي في كل الدول العربية بما في ذلك دول الجوار، ويرجع ذلك إلى طبيعة الأزمة الليبية، وطغيان السياسة عما عداها من مجالات الاهتمام الأخرى، وتلك جعلت المتابعة تتركز على التطورات الداخلية المرتبطة بالعنف والصراع والإرهاب، وإن كانت تأتي مجزأة وأحيانا يتم تطويعها صياغة بما يخدم السياسة التحريرية ذات الصلة بموقف الدولة أو الجهة المسؤولة عن الوسيلة الإعلامية، في حين غابت عن كل النشاطات المتعلقة بمنجزات الحياة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية، أي كل المسائل التي تحدد مسارات حركة الحياة، وتوجه المجتمع إلى تحقيق أهدافه الحياتية، وتلك الطريقة من التناول تكرس المأساة، وتظهر الجوانب السلبية للوضع العام، بحجة أنها تنقل الأحداث كما هي.

وفي نظر الليبيين، فإن تقصير الإعلام العربي في تناول قضيتهم، لا يتركز على الانشغال بالمجال السياسي، وإنما يتعداه إلى الاعتماد على متابعين ليبيين وغير ليبيين، لا يملكون معلومات أو لا يتمتعون بالمصداقية، أو على وجوه غير معروفة بالنسبة إلى الشعب الليبي، حتى أن البعض يرى في المتابعة الإعلامية العربية مجرد محاولة لملء الفراغ لواقع يفرض نفسه نتيجة للعمليات الإرهابية، والتي تمثل الاهتمام الأكبر لوسائل الإعلام العالمية، وهي تقدم بطريقة تبدي المخاوف من انتقال العدوى للدول العربية الأخرى، ضمن رؤية سياسية يغلب عليها طابع الخوف من ليبيا وليس الخوف عنها.

لذلك كلّه، ينتظر أن يعاد النظر في الضيوف المحلّلين عبر القنوات الفضائية العربية، وفي الكٌتَّاب على مستوى الصحافة، والخروج من غواية الواقع الدموي وإغرائه، إلى تفكيكه والبحث في كل جوانبه، وذلك باعتبار ليبيا جزءا من حالة عربية عامة وليست حالة مرضية منفردة، يتم تجنّبها خوفا من انتقال العدوى، بحيث يتم من خلالها نقل الواقع بما فيه من تعمير وتدمير، من ظلم وعدالة، وبالتالي ينطبق عليها ما نشاهده من متابعة للمجتمعات العربية الأخرى، خاصة التي تعيش أحداثا مماثلة وتقود حربا على الإرهاب كما هو الحال في العراق وسوريا، أو على الأقل تتم متابعتها بالشكل الذي كانت عليه أيام الثورة.

عناصر كثيرة من النخبة الليبية يمكن أن تساعد في تغيير المشهد الإعلامي العربي تجاه المسألة الليبية، وهي بلا شك مستعدة للمشاركة، وعليها أن تقترب من المؤسسات الإعلامية العربية، وعلى هذه الأخيرة أن تتيح لها فرصة المشاركة، وفي ذلك منفعة متبادلة للجميع، وإذا كانت الدولة الليبية مغيّبة، فلا يعقل أن يضيع المجتمع الليبي، ونحن نملك من وسائل الإعلام ما يجعل ليبيا حاضرة، ونكون مشاركين معها في الوصول إلى حل يخرجها من سنوات الدّم والظلام.

كاتب وصحفي جزائري

9