المساجد في قلب معركة الجزائر ضد التطرف الديني

وظيفة المسجد التعليمية والتربوية تحولت على يد الجماعات الدينية ذات الخطاب التكفيري إلى مجال وبؤر لتخريج الإرهابيين والمتطرفين المتشبّعين بالخطاب السلفي والمرجعية المذهبية سنية كانت أو شيعية، ما جعل السلطات الجزائرية تضع المساجد تحت رقابتها للوقوف أمام مدّ الكراهية والعنف والإرهاب.
الاثنين 2015/07/13
الحركات الدينية تستغل المساجد لبث خطابها التكفيري

تستمر حدة الجدل في الجزائر خلال شهر الصيام، حول انفلات حوالي نصف مساجد الجمهورية من الخطة الحكومية للتحكم في الخطاب الديني الذي تعتمده الدولة، ووقوعها في قبضة العديد من التيارات الدينية التي تستورد أفكارها من مناهج متطرفة كالسلفية بفروعها المعتدلة والمتطرفة والإخوانية المرتبطة بصلب التنظيم العالمي في القاهرة.

أبانت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، عجزا عن تأطير المساجد المنتشرة في ربوع الدولة في إطار الخطة التي أعدتها من أجل وضعها تحت الرقابة والمتابعة، مما استدعى تدخل أطراف أخرى للحيلولة دون إحكام قبضة التيارات الدينية المتطرفة على الكثير من المساجد الناشطة خارج إرادة الحكومة، مما ساهم في تنامي خطاب التطرف والتديّن خارج إجماع الأمة، وتحولت في أحيان أخرى إلى بؤر لتفريخ خلايا الإرهاب.

وتجلى عجز الوزارة بحلول شهر رمضان، بسبب كثرة العبادات والاعتكاف داخل المساجد، وظهر أن قرابة نصفها يأتمر بأوامر رموز من تيارات دينية تقترب من التطرف، وليس بأوامر الهيئات الوزارية المشرفة، وظهر الخلاف وحتى العناد في الفتاوى والأذان وصلاة التراويح والتهجد والمقرئين وجمع زكاة الفطر وغيرها.

وكان لتدخل وزارة الداخلية والجماعات المحلية، من أجل منع جمع الأموال في المساجد ودور العبادة إلا بترخيص من والي الولاية (المحافظ)، من أجل التضييق على حركة أموال المساجد التي باتت محل شبهة في بعض الأحيان، ولم يستبعد أن تكون إحدى وسائل التمويل التي توظفها التيارات الجهادية، لعدم إدراجها إلا منذ أسابيع من طرف مصالح الأمن في إطار آليات تجفيف منابع تمويل الإرهاب.

وصارت المساجد في الجزائر منذ أسابيع، بموجب خطة حكومية أمنية غير معلنة، تحت رقابة مصالح الأمن ومحل تقارير ترفع تباعا للسلطات العليا، حول حركة وطبيعة الخطاب المسجدي، بعدما بات مصدرا لقلق السلطات الجزائرية، لاسيما أمام الانتشار اللافت للعديد من التيارات والأفكار الدينية المتطرفة والغريبة، وذلك باعتراف وزير الشؤون الدينية نفسه محمد عيسى، بوجود حملات لسلفنة المساجد وتشييعها وإطلاق أفكار لم يعهدها الشعب الجزائري، مثل ما يعرف بـ”عبدة الشيطان”، وعدم خاتمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين.

وصرح عيسى “المساجد صارت محل تجاذب كبير بين تيارات وأفكار مستوردة، تتمرد على الخط المالكي للشعب وللبلاد، وحتى محيطها بات محل احتواء من طرف ناشطين استفادوا من فراغ الدولة، وعدم اهتمامها بتحصين المساجد من تلك التيارات والأفكار، لا سيما خلال السنوات الفارطة”.

وزير الشؤون الدينية محمد عيسى يعترف بوجود حملات لسلفنة المساجد وتشييعها وإطلاق أفكار لم يعهدها الشعب الجزائري

وفيما تتحدث بعض الأرقام عن وجود حوالي 20 ألف مسجد في البلاد، فإن الوزارة الوصية شرعت منذ العام الماضي في إعداد بطاقة وطنية للمساجد وللمشرفين والقائمين عليها، من أجل استقطابها في إطار الخطة الحكومية، إلا أن إدراج المسألة في إطار الحرية الشخصية للسكان في تكوين الجمعيات الدينية وبناء المساجد، وعدم مساهمة الحكومة إلا بحوالي 10 بالمئة في عملية تشييدها، يجعلها بعيدة عن سلطتها وقريبة دينيا وفكريا من الجمعيات التي تتأسس لبنائها.

ومن أجل توحيد الخطاب الديني وتحقيق ما تسميه الوزارة بـ”الأمن الديني والفكري”، أعلن المدير الفرعي للتوجيه الديني والنشاط الاجتماعي بوزارة الشؤون الدينية خالد يونسي، عن استحداث الوزارة تخصّصا جديدا بالجامعة الجزائرية وهو “إمام مسجد”، وذلك بهدف منح الإمام مستوى علميا عاليا كونه يحتّك مع المواطنين مباشرة، وهو ما يستدعي توفير محيط يتوفر على كل الجوانب العلمية من لغات وعلوم وتاريخ، أين سيتحصل “إمام مسجد” على شهادة الليسانس والماجستير والدكتوراه في الإمامة، وستكون جامعة الجزائر “خروبة” متبنية لهذا التخصّص ليتم تعميمها على باقي الجامعات مستقبلا.

وكشف يونسي عن لجوء الوزارة “لتجميد الرخصة أو سحبها من الأئمة الذين لا يحترمون المرجعية الدينية والوطنية، ومازالوا يزاولون مهنتهم في المساجد بهدف إشاعة الفتنة والبلبلة التي لا تخدم المجتمع الجزائري”. ويتعلق الأمر بحوالي 50 مسجدا في العاصمة، ظلت متمردة على سلطة الوزارة، وتتبع دينيا وفكريا للجمعيات التي تشرف عليها، وفيها من يرتبط بالتيار السلفي والإخواني وحتى التيارات الناشطة في السرية.

ورغم تشبّث الحكومة بالأخطار الأمنية وتنامي أفكار التطرف، وحتى الحيلولة دون انتشار الفتن الدينية التي باتت تحيط بالمساجد وتهدد الوحدة الدينية للمجتمع الجزائري، إلا أن هناك من انتقد الخطة الحكومية واعتبرها عودة لزمن “البوليس السياسي والديني” في فترة السبعينات، والتضييق على الأئمة بفرض خطاب موحد لا يواكب حاجيات المجتمع للوعظ والإرشاد.

وذهب رئيس نقابة الأئمة جلول حجيمي، إلى ما أسماه بـ”محاربة التطرف بالتطرف”، فالحصانة المذهبية والوحدة الروحية للجزائريين، لا ينبغي أن “تتحول إلى نفي أو محاربة من يريد مذهبا آخر، والمسألة لا تتعلق بالمذاهب والمدارس بقدر ما تتعلق بالمناكفات الأيديولوجية والتعصّب وعدم احترام الآخر دينيا، والأجدر هو غرس قيم الحوار والاحترام والتعايش وترك الخيار للناس”.

13