المساحات الخضراء بين التجمعات السكنية تحسن الصحة العامة

تتفق جل الدراسات على أنه كلما زادت نسبة المساحات الخضراء من حولنا قلّت نسب الاكتئاب والأمراض والموجات السلبية والإجهاد. وبين الباحثون أن التواصل مع الطبيعة يساعد على تحسين المزاج العام ويعزز التفكير الإيجابي والتفاؤل.
الاثنين 2017/06/19
الاحتكاك بالطبيعة يحسن المزاج

لندن- استطاع باحثون بريطانيون من كلية إكستر الطبية التوصل إلى أن العيش قرب المساحات الخضراء يحسّن صحة الناس العقلية والبدنية على المدى الطويل. استخلصوا نتائجهم من تحليل بيانات أكثر من ألف شخص انتقلوا إلى السكن في مناطق أكثر اخضرارا لمدة خمس سنوات.

وحسبما ذكرت ميديكال نيوز توداي، فإن الدراسة توصي بزيادة المساحات الخضراء في المدن والتجمعات السكنية، لأن لهذا أثرا كبيرا في تحسن الصحة العامة للمجتمع.

تمت الدراسة عن طريق توزيع استبيانات سنوية لمعرفة أثر الانتقال إلى مناطق أكثر اخضرارا مقارنة بالمناطق الحضرية العادية على الصحة بكافة جوانبها، مع اعتبار العوامل التي تؤثر على الصحة النفسية كالدخل والوظيفة والتعليم.

وأظهرت النتيجة تحسّن الصحة النفسية لمن انتقل إلى مناطق أكثر اخضرارا، وسوءها لمن انتقل إلى مناطق أقل اخضرارا. ويؤكد الدكتور إيان ألكوك، قائد الدراسة وباحث في كلية إكستر الطبية، أن المساحات الخضراء حسّنت الصحة النفسية، وهذه النتائج مهمة لمن يخططون لشراء بيت وللمهندسين المخططين للتجمعات السكنية.

الاحتكاك بالطبيعة يخفف بشكل كبير من الأعراض التي يعانيها الأطفال المصابون بقصور الانتباه وفرط الحركة

كما تنص دراسة صدرت في عام 2016 على أن العيش في المناطق الخضراء يطيل عمر الإناث، ويحسن صحتهن النفسية. وقارنت دراسة أجرتها كلية “تي آيتش تشان” للصحة العامة في جامعة هارفارد على مدى 8 سنوات، بين خطر الموت ووجود الطبيعة والنباتات حول أكثر من 100 ألف امرأة. ووجد الباحثون أن المشاركات اللواتي تواجدن في المناطق الخضراء تمتعن بمؤهلات إدراكية أفضل مما لدى نظيراتهن، فيما انخفضت حالات الوفاة بنسبة 12 بالمئة لدى هؤلاء النساء، مقارنة بالنساء اللواتي يعشن بعيداً عن الطبيعة.

وبين الأشخاص الذين يعيشون بعيداً عن الطبيعة، كانت الأمراض التنفسية ثاني أكبر مسبب للموت، خصوصاً أن المناطق الخضراء عادة ما تتمتع بهواء أنقى، ما يعني أن فائدة اللون الأخضر لا تقتصر على خفض خطر التغيّر المناخي، بل تعود أيضاً بفوائد صحية. ويعتقد الكثير من الباحثين أن اللون الأخضر يسبب الراحة والاسترخاء في الجهاز العصبي، ما يبرّر كثرة استخدامه في المستشفيات والمدارس والمكاتب.

نشرت شبكة بي بي سي تقريرا يفيد بأن وجود صلة بين الإنسان والطبيعة يعود عليه بالنفع على مستوى الجسم والمزاج. وتحدث التقرير عن أول مشروع تشهده المملكة المتحدة لمدة شهر كامل كان يضم ما وصف بـ”تحدي الطبيعة”، وهو في واقع الأمر مسعى للحض على القيام بأعمال صديقة للبيئة.

وقد شمل المشروع أناسا طُلب منهم “القيام بشيء مختلف أو جامح” بشكل يومي على مدار 30 يوما متصلة. وأثناء ذلك طُلب من هؤلاء الأشخاص كذلك أن يشاركوا في استبيان حول الشكل الذي يفترضونه للصلة القائمة بينهم وبين الطبيعة، ولإحساسهم بأنهم جزء منها. كما شمل الاستبيان أسئلة عن كيفية تفاعلهم مع الطبيعة، وكيف كانوا يرون حالتهم الصحية وإحساسهم بالسعادة في ثلاثة أوقات مختلفة؛ قبل مشاركتهم في هذا المشروع، وفي نهاية هذه المشاركة، وبعد انقضاء شهرين على ذلك أيضا.

وأُجريت الدراسة من قبل جامعة ديربي والجمعية الملكية لصناديق الحياة البرية في بريطانيا، وذلك في مسعى لاختبار التأثير الذي خلّفه المشروع الذي نظمته الجمعية تحت اسم “30 يوما من الحياة البرية” على المشاركين فيه، وللتعرف على مدى هذا التأثير.

المشاركات اللواتي تواجدن في المناطق الخضراء تمتعن بمؤهلات إدراكية أفضل مما لدى نظيراتهن، فيما انخفضت حالات الوفاة بنسبة 12 بالمئة لدى هؤلاء النساء، مقارنة بالنساء اللواتي يعشن بعيداً عن الطبيعة

وتقول لوسي ماكروبرت المسؤولة عن شؤون الحملات الخاصة بالطبيعة في الجمعية “كنا نعلم بداهةً أن الطبيعة مفيدة لنا نحن البشر، ولكن النتائج جاءت رائعة”. وكشفت الدراسة -على نحو علمي- أن صحة المشاركين تحسنت بشكل ملحوظ، وشعروا بسعادة غامرة، وزاد ارتباطهم بالطبيعة، وأنجزوا أفعالا صديقة للبيئة؛ وذلك ليس فقط خلال مشاركتهم في المشروع، وإنما خلال شهور عديدة تلت انتهاءه.

وكان من اللافت، حسب قول ماكروبرت، أن عدد من أفادوا بأن صحتهم باتت “ممتازة” زاد بنسبة 30 بالمئة. وقد جرى التكهن بحدوث هذا التحسن في الصحة، بفعل ما سُجل من زيادة في الشعور بالسعادة، وقد شكّل التغير في العلاقة مع الطبيعة همزة الوصل بين هذين الأمرين.

وعززت نتائج هذه الدراسة مجموعة متنامية من البراهين التي تظهر بما لا يدع مجالا للشك مدى حاجتنا إلى التواصل مع الطبيعة، من أجل تحسين أحوالنا الصحية وزيادة ما ننعم به من سعادة.

فعلى سبيل المثال، تبين أن الأطفال الذين احتكوا بالطبيعة أبدوا ثقة متزايدة في النفس، كما شعروا كأن الطبيعة تلقنهم دروسا في ما يتعلق بكيفية الإقدام على مجازفات ومخاطر، وإطلاق العنان لقدراتهم الإبداعية، ومنحهم فرصة للتدريب والتجريب واللعب والاستكشاف.

وفي بعض الحالات ظهر أن الاحتكاك بالطبيعة يؤدي إلى التخفيف بشكل كبير من الأعراض التي يعانيها الأطفال المصابون بما يُعرف بـ“قصور الانتباه وفرط الحركة”، إذ يوفر لهم هذا التفاعل تأثيرا مهدئا، ويساعدهم على التركيز.

أما بالنسبة إلى البالغين المصابين بأمراض جسدية أو اضطرابات عقلية مثل الاكتئاب والقلق، فقد يساعدهم التفاعل مع الطبيعة -إلى جانب استخدام الأدوية التقليدية- على كبح جماح الأعراض التي تنتابهم جراء هذه الأمراض أو الاضطرابات، بل وربما التعافي منها.

17