المسار الانتخابي يجدد لمؤسسات تطيل عمر الأزمة الجزائرية

الشارع الجزائري الذي فقد ثقته في المؤسسات الرسمية يتجاهل ممثليه داخل البرلمان ويبلغ بطريقته الخاصة رسائله للسلطة المركزية لقناعة راسخة لديه بأن المجالس المنتخبة ليس لها أي دور في الشأن العام.
الثلاثاء 2021/07/27
رهان السلطة على الشارع يفشل

تتجه السلطات الجزائرية إلى تجديد المؤسسات الدستورية غير آبهة بجدوى المجالس المنتخبة في ظل القطيعة المستشرية بين الشارع وبين المسار السياسي المتبع، فلم تمض سوى أسابيع قليلة على الانتخابات التشريعية التي جرت في منتصف شهر يونيو الماضي حتى بدأ الترتيب لانتخابات محلية (ولائية وبلدية) من أجل استكمال تجديد المؤسسات المنتخبة.

التصريح الذي أدلى به رئيس سلطة تنظيم الانتخابات محمد شرفي للتلفزيون الحكومي بعد استقباله مؤخرا من طرف الرئيس عبدالمجيد تبون، حيث تباحثا حول مسائل قانونية ولوجيستية من أجل استكمال مسار تجديد المؤسسات المنتخبة، مقدمة لإعلان منتظر عن حل المجالس وموعد آخر لاستحقاق انتخابي جديد.

ويبدو أن السلطة التي بات همها الأول تغيير الواجهة السياسية للحقبة البوتفليقية على حساب الشرعية الشعبية، لا تزال تتجاهل جدوى تنظيم استحقاقين انتخابيين في ظرف عام واحد في ظل تفاقم الغضب الشعبي جراء تراكم تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

لم تحاول أي جهة رسمية في السلطة إلى حد الآن الالتفات إلى شرعية الاستحقاقات منذ رئاسيات ديسمبر 2019، بل إن الهوة بينها وبين الشارع ما انفكت تتوسع لتكريس قطيعة نهائية بين الطرفين. ورغم الأصوات التي انبعثت من معسكرها في أعقاب الانتخابات التشريعية للتحرك من أجل تقديم قراءة سليمة للأزمة، إلا أن الاهتمام انصب على ملء الفراغ فقط.

وكان رئيس حزب صوت الشعب الأمين عصماني، الحائز على مقعدين فقط في البرلمان الجديد، قد عبر عن صدمته من حجم المقاطعة الكبيرة للانتخابات، ودعا إلى ضرورة بحث ودراسة هذه الظاهرة لأنها تعبر عن أزمة عميقة في المجتمع الجزائري.

ويبدو أن صمت النواب الجدد عن تفاقم الغضب الاجتماعي في البلاد خاصة في ما يتعلق بالاحتجاجات التي امتدت من الشمال إلى الجنوب، هو ترجمة لموقف البرلمان الذي يبدو أنه لن يتحرك أو يتكلم خارج أطر السلطة. ورغم تراكمات الأزمة المركبة بين ندرة مياه، ووضع صحي متدهور في المستشفيات الحكومية بعد تفاقم جائحة كورونا، وبطالة وأزمة سكن، لم يسمع الشعب أي تصريح من جانب الحكومة ينتقد ما آلت إليه الأوضاع في البلاد أو يدعو إلى عقد جلسة استثنائية.

الشارع الجزائري الذي فقد ثقته في المؤسسات الرسمية يتجاهل بدوره ممثليه داخل البرلمان، وينفذ بطريقته الخاصة تبليغ رسائله للسلطة المركزية لقناعة راسخة لديه بأن المجالس المنتخبة ليس لها أي دور في الشأن العام باستثناء ما تسمح به السلطات. وهو أمر يجسده الصمت المطبق لنواب الولايات الجنوبية أو الشمالية التي تشهد احتجاجات شبه يومية، رغم أنهم حازوا مقاعدهم نوابا عن سكان تلك الولايات.

ولأن دور البرلمان في الجزائر محدود لا يصل حد إسقاط الحكومة أو سحب الثقة من وزير أو الاستماع لرئيس الجمهورية، فإن الشارع لا يعول عليه في حسم مسائل هامة أو ممارسة رقابة دقيقة على المؤسسات الحكومية. وعلى العكس من ذلك تبقى المجالس البلدية تحديدا والولائية بدرجة أقل، هي الواجهة الأولى للدولة التي يلجأ إليها السكان في مختلف الانشغالات.

وكثيرا ما كانت المؤسسات المحلية محل غضب واستياء السكان بسبب تراكم المشاكل اليومية والأداء البيروقراطي لها، فضلا عن ممارسات الفساد والمحسوبية، ولذلك فإن الذهاب إلى انتخابات محلية في نفس المناخ الذي جاء بالمجالس الحالية والسابقة، والتي انتهى نصفها إلى أروقة القضاء بسبب الفساد حسب إحصائيات رسمية، لن يجدي البلاد نفعا ولن ينهي الأزمة المركبة.

Thumbnail

ولأن الثقة بين الشارع والسلطة باتت مفقودة، فإن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها مدن وولايات جنوبية زادت من حجم الهوة، خاصة في ظل تجاهل السلطة برئاستها وحكومتها وبرلمانها لمطالب الشارع، مما حدا بناشطين محليين إلى التوعد بما أسموه بـ"وقفة شاملة دون توقف" إلى أن يتم الإذعان للمطالب التي رفعوها خلال الأسابيع الأخيرة.

وإذا كان الدور المتعارف عليه لعضو البرلمان المنتخب هو الدفاع عن حقوق الناخبين لدى المؤسسات الرسمية، فإن الأعضاء الجدد في البرلمان وجدوا أنفسهم يشغلون مقاعد نيابية دون قاعدة شعبية؛ بعضهم يشغل المنصب ببضع مئات من الأصوات، وأحسنهم لا يمثل إلا ثلاثة آلاف صوت من مجموع أكثر من 24 مليون صوت مسجل في اللوائح الانتخابية حسب الإحصائيات. وهو الموقف الذي يجعلهم بعيدين أو عاجزين عن تهدئة الغضب الشعبي أو احتوائه.

ويبدو أن رهان السلطة على المستقلين للسيطرة على البرلمان وخلق توازن سياسي جديد مع الأحزاب التقليدية وطمعا في الوعاء الشعبي لهؤلاء في تمرير المسار السياسي، قد فشل فشلا ذريعا بعد تسجيل عزوف تاريخي عن الانتخابات التشريعية، وهو سيناريو غير مستبعد في الاستحقاق المنتظر، ليبقى كل شيء على حاله في ظل الإصرار على تجديد المؤسسات وليس معالجة الأزمة.

ورغم أنه ينحدر من ولاية غرداية الجنوبية وسبق له أن شغل مناصب محلية، فإن رئيس البرلمان الجديد إبراهيم بوغالي، الذي صار الرجل الثالث في الدولة، سارع للتعبير عن تجند البرلمان لدعم برنامج رئيس الجمهورية. بينما لزم الصمت تجاه الغليان الشعبي السائد في ولايته والولايات المجاورة لها.

وإلى جانب أزمة الشرعية الشعبية للمؤسسات ساهم المسار الانتخابي في خلق أزمة جديدة تتعلق بغياب تمثيل سكان منطقة القبائل في البرلمان الجديد.

وشكل اللجوء إلى نواب مستقلين تقدموا ضمن لوائح حصلت على أقل من واحد في المئة ذريعة مجانية لأنصار الحركة الانفصالية "ماك" التي تعتبر "منطقة القبائل تحت استعمار جزائري"، وأن حضورها المفتعل في البرلمان يكرس "القطيعة بين القبائل والسلطة القائمة".

هذا السيناريو كان محل تحذير للسلطة من طرف معارضين ومعتدلين، لأنهم كانوا يدركون أن تمرير الانتخابات على حساب الأغلبية المقاطعة، خاصة في منطقة القبائل، سيتم استغلاله من طرف العناصر الانفصالية وتقديمه في قالب آخر، رغم الارتباط الوثيق بين المنطقة والدولة والوحدة الوطنية.

جرت العادة أن تثير الانتخابات البلدية اهتمام الشارع، وذلك للعلاقة التي تربط السكان بممثليهم المحليين، ودور هؤلاء في الاشتغال على اهتمامات المواطنين، إلا أن استمرار نفس المناخ السياسي الذي فاقم الغضب الشعبي وقاد نصف تلك المجالس (700 من ضمن أكثر من 1500 بلدية) إلى أروقة المحاكم للنظر في ممارسات فساد، لم يساهم في حل الأزمة بقدر ما جدد لمؤسسات تطيل في عمرها.