المسار الموضوعي للثورة السورية

الاثنين 2013/10/14

لم يكن قد مضى على اندلاع الثورة السورية أكثر من شهر، حين قرر الرئيس السوري بشار الأسد، وفي مسرحية تعتبر تقليداً بعثياً «ديمقراطيا»، أن يلتقي بمن كان يطلق عليهم الإعلام الرسمي «وجهاء» مدينة كذا أو «الفعاليات الشعبية» لمدينة كذا. حينها كان معظم هؤلاء يؤمنون بأن «سيادة الرئيس» شاب متعلم، مشبع بالثقافة الديمقراطية، ;لا يمكن أن يقبل بممارسات «المحيطين به».

وكان هؤلاء يمثلون قسرا الشعب السوري على مستوى مناطقه ومحافظاته، قد أمضوا الشهر الأول من الثورة يندبون حظ السوريين العاثر الذي جعل قادة أجهزة الأمن، أقل حكمة في تعاطيهم مع الاحتجاجات المشروعة، ويتحسرون على إرادة سياسية غائبة كان لها أن تحقق المطالب البسيطة للمحتجين وتوقف ما تحول آخر الأمر إلى ثورة. لم يمر وقت طويل بعد تلك اللقاءات، حتى اعتقل الأمن معظم هؤلاء، فيما غادر بعضهم البلاد، وباتوا وجوهاً بارزة أو مغمورة في المعارضة.

هكذا، اعتقد البعض بأن الثورة السورية هي ابنة المصادفة على نحو ما، فلو أن عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس، والمسؤول الأمني في محافظة درعا، ما كان ليتصرف على ذلك النحو المشين مع وجهاء المدينة «العشائرية»، ولو أن «السيد الرئيس» لم يتشبث بعناده في معالجة الاحتجاجات، وقام بمحاكمة عادلة لابن خالته، لم تكن لتحدث الثورة، أو لم تكن لتذهب إلى هذا المستوى من العنف الرهيب.

من السذاجة اعتبار اندلاع الثورة السورية عاقبة مشؤومة رسمتها أيدي رجال شريرين يعيشون في قطر وتركيا والسعودية وأميركا، ومن البلاهة اعتبارها انحرافاً في التاريخ أنتجه الموتور عاطف نجيب. بل هي واقع تاريخي نضج عبر الزمن، واقع ينبض حياة ويغصّ بالخوارق السورية الأصيلة.

من المفروغ أن تلك التقديرات المغلوطة وما ولدته من نقمة كانت مصادفات سيئة على النظام، لكنها تضيء على التكوين البنيوي للنظام وعلى طبيعة السلطة السياسية. وأما أن الرئيس ومعاونيه ارتكبوا أخطاء مجنونة فهذا أمر مؤكد، لكنهم ارتكبوا تلك الأخطاء تحت ضغط البيروقراطية الأمنية المافيوية القائمة، وضغط عناصر الطبقة المالكة.

هكذا، فإن الأخطاء الفردية والتقديرات المغلوطة، وأسلوب النظام في إخماد الثورة، هو نتيجة حتمية للظروف الاقتصادية الاجتماعية ولطبيعة وبنية النظام، فعند هذه الدرجة من سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للغالبية العظمى من السوريين، وعند هذا المستوى من النهب للثروات والتحكم بالبلاد من قبل المافيا الحاكمة، فمن المؤكد أن يرد النظام بهذا المستوى من الهمجية، وأن تدافع الثورة عن نفسها بهذا العنف، وأن يتطور العنف على النحو الذي تطور به.

لم يكن المثقفون والمعارضون هم أول من فهم هذه المعادلة، بل تعاملوا معها بتردد، وبسياسة خطوة إلى الأمام يليها الانتظار وترقب رد فعل النظام. لكن الفئات الشعبية المهمشة هي التي فهمت الرسالة، وصاغت سياسة المواجهة مع هذا النوع من الطغم العسكرية- الطائفية، وأدركت بأنها وحدها القادرة على القيام بعمل حاسم في سبيل خلخلة بنية النظام، ودفعه إلى هاوية التغيير.

أجبرت الطبيعة التسلطية العاتية للنظام السوري، المثقفين والفئات الوسطى على التراجع، إذ أن رد الفعل الإجرامي للنظام السوري على الاحتجاجات الشعبية السلمية منذ اندلاعها، قد أبان الوجه الصدامي والإرهابي للنظام. تلك رسالة شديدة الوضوح، كانت الفئات الوسطى قد أدركت معانيها مبكراً، لتتراجع، وتخلي مكانها في الصفوف الأولى لفئات مهمشة، عانت من تهميش تنموي فادح، وبدا أنها الوحيدة المستعدة للصدام مع هذا النوع من النظم التسلطية.

ودون عناء التنظير للواقع، اندفعت جموع السوريين بطاقة ثورية أثارت إعجاب الجميع، وكأنها قد وعت بالفعل، أن مسألة الحرية من المسائل التاريخية الكبرى التي لا تحل في نهاية الأمر في مثل هذه النظم المافيوية إلا بالقوة، وإن الظفر بالحرية لن يتم دون تقديم أكبر التضحيات، ومن دون تحطيم قوة الحكم المطلق بجميع الوسائل بما فيها قوة السلاح.

قد يكون الانقسام العمودي المستجد لدى المجتمع السوري، قد دفع في اتجاه هذا المسار «الموضوعي» للأحداث ولتطور الثورة لحالة التسليح. فمما لا شك فيه أن العامل الطائفي قد مد في عمر النظام، ودفعه إلى استخدام مزيد من العنف والقتل. أما ذلك الانقسام الطائفي الحاصل، فله مسار موضوعي هو الآخر، يتصل أكثر ما يتصل بالبنية التاريخية المخلخلة والمتخلفة لمجتمعاتنا العربية.

للنظام تكويناً يعجز عن الدخول في تسويات، بل وينزع إلى الحرب الشاملة على أي فئة مجتمعية تتطلع إلى إجراء تعديل في طريقة حكمه لها. ذلك حتم على الثورة السورية أن تكون معركة وجودية، ووضعها على مسار مائل كان من شبه المستحيل تفادي الانزلاق إلى نهايته القصوى. إنه المسار الموضوعي للأحداث.

* كاتب فلسطيني

9