المساعدات الأجنبية للأكاديميين في سوريا والعراق لا تحلّ أزمة التعليم

لم يبق أمام عدد من الأساتذة الجامعيين في سوريا والعراق أي خيارات جراء ظروف الحرب غير البحث عن مؤسسات تساعدهم في اللجوء إلى الدول الأوروبية وتؤمن لهم ممارسة عملهم هناك مثل “مجلس أساتذة الجامعات الذين يواجهون الخطر” غير أن هذه المؤسسة البريطانية الوحيدة من نوعها في أوروبا عجزت عن تلبية طلبات المساعدة نظرا لعددها الهائل.
الثلاثاء 2015/09/22
استقبال وإدماج الأساتذة في جامعات ومعاهد دول اللجوء يتيح الاستفادة من خبراتهم

لندن - مجلس أساتذة الجامعات الذين يواجهون الخطر هو مؤسسة بريطانية تهدف لمساعدة أساتذة الجامعات والباحثين الذين يتهددهم خطر في أوطانهم وتفتح لهم آفاق اللجوء في بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية رافعة شعار الحفاظ على خبراتهم الضرورية من أجل إعادة بناء مستقبل دولهم. هذه المؤسسة الفريدة من نوعها في أوروبا والعالم عمدت مؤخرا إلى مساعدة الأساتذة العراقيين والسوريين، وهي تدعم حاليا حوالي 140 أستاذا جامعيا وعائلاتهم من خلال استقبالهم في دول اللجوء ومحاولة تأمين وظيفة لهم في الجامعات الأوروبية.

انطلاقا من تجاربها السابقة التي ترجع إلى عهد النازية، تنوه هذه المؤسسة بأن عملها يهدف إلى الحفاظ على الكفاءات العلمية وحمايتها، وتصف عملها بأنه “حفاظ على مستقبل العالم”، كما تستشهد للتأكيد على جدوى دورها بأنه من بين 2000 أستاذ جامعي أنقذوا من النازيين في الثلاثينات، فاز 16 منهم بعد ذلك بجائزة نوبل وهو ما يثبت بأنهم من الكفاءات التي يجب على الجميع حمايتها لدورها العلمي والبحثي.

وأمام ما تشهده سوريا والعراق من استهداف من قبل الجماعات الإرهابية خاصة منها تنظيم الدولة الإسلامية لرجال العلم وللباحثين حيث قتل في العراق ما يقارب عن 450 أستاذا جامعيا منذ 2003 ويتواصل إلى اليوم قتل عدد من الأساتذة العراقيين وبعد إقدام داعش الشهر الماضي على قتل خالد الأسعد، عالم الآثار وأحد أبرز أساتذة الجامعات السورية في العالم، تزداد الحاجة الملحة لحماية هذه الفئة التي لا تحمل سلاحا غير ما اكتسبته من علوم.

ويظل السؤال المطروح هل تستطيع مؤسسة واحدة في أوروبا -بهذه الأهداف- حماية أساتذة العراق وسوريا؟ هل استقبالهم في دول اللجوء هو الحل لإصلاح أوضاع التعليم في هاتين الدولتين؟

ولا يترك الوضع الراهن أمام كثير من أساتذة الجامعات حلا غير الهروب من القتل وإنقاذ عائلاتهم وأمام توفر مؤسسة تساعدهم في ذلك فإنهم بالضرورة يلتجئون لطلب المساعدة، وتقول المؤسسة البريطانية إنها تتسلم ما بين 3 و5 طلبات جديدة أسبوعيا أغلبها من الأساتذة السوريين.

وهو ما يجعل دور المؤسسة البريطانية ذا تأثير محدود باستضافة عدد قليل من الأساتذة في حين أن أغلبهم مازال يعيش تحت وطأة الحرب ويرجع هذا التأثير المحدود للعديد من الأسباب منها ما يهم المؤسسة ذاتها ومنها ما يهم أوضاع التعليم في هاتين الدولتين.

المؤسسات التعليمية التي واصلت العمل في سوريا والعراق تعاني مشاكل تتعلق بالمادة التعليمية المقدمة

فمجلس الأساتذة الذين يواجهون الخطر لا يمتلك الإمكانيات المادية والموارد المالية التي تخول له الاستجابة لكل مطالب المساعدة لجميع أساتذة الدولتين وهو ما صرح به مدير المجلس بقوله إن ميزانية المجلس السنوية تبلغ 950 ألف يورو وأن كامل أمواله وزعت في الوقت الراهن أي أن المجلس يحتاج إلى دعم مالي. كما أن وجود مؤسسة وحيدة في أوروبا لا يكفي لحل مشاكل الأساتذة الجامعيين من جهة وغياب هذا النوع من المؤسسات الرامية لحماية حياة الأساتذة المهددين بالخطر في الدول العربية يزيد الوضع سوءا من جهة أخرى.

ومن جانب آخر لا يمكن اختصار مشاكل التعليم في سوريا والعراق اليوم في حماية الأساتذة بل هي أعمق من ذلك؛ فغلق المؤسسات التعليمية وتدمير عدد هام منها بالإضافة إلى عجز هيئات التدريس والطلبة خاصة في سوريا عن متابعة العملية التعليمية ينبئ بتوقف تام للتعليم لمدة زمنية لا يمكن استشراف نهايتها تحت وطأة الحرب. هذا بجانب عجز العديد من الدول العربية والأوروبية التي استقبلت اللاجئين السوريين على إدماج الطلبة والأساتذة في منظوماتها التعليمية وفي مدارسها.

كما لا ننسى أن الجامعات التي صمدت وواصلت فتح أبوابها في سوريا والعراق تعاني مشاكل كثيرة لا تتعلق فقط بجودة التعليم والبرامج والسياسات التعليمية وإنما تتجاوزها إلى مخاطر أكبر تحدق بالطلبة من حيث المادة التعليمية المقدمة لهم، وبقطع النظر على المؤسسات التعليمية القليلة التي سيطرت عليها داعش وعلى الممارسات التي تجري داخلها. يتعرض الطلبة خاصة في الجامعات العراقية إلى نوع من الأدلجة حيث يسعى عدد من أساتذة التعليم العالي لإقناعهم بتبني توجه فكري وسياسي معين محاولين التأثير من مواقعهم التي تجعلهم قريبين من هذه الفئة الهامة من المجتمع على توجهاتهم السياسية خدمة لأجندة سياسية معينة.

مشاكل الالتزام بمهنة التعليم وبالدور الأكاديمي للأستاذ في الجامعة ليست وليدة اليوم في المؤسسات التعليمية فمنذ أجيال يمارس عدد من رجال التعليم وظيفة أيديولوجية أكثر منها أكاديمية ويستغلون الفضاء التعليمي لخدمة أجندات سياسية. ويمكن الجزم بأن هذه المشاكل تضاعفت تحت وطأة الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة في البلدين وما ساعدها في الانتشار في الوسط الجامعي هي أولا ضعف الدولة وثانيا غياب أو نقص المراقبة لعمل الأساتذة داخل الفضاء الجامعي.

17