المساعدات الإيطالية لقبائل الجنوب الليبي غايتها فرض الاستقرار

كان اتفاق الصلح الموقّع بين قبيلتين بالجنوب الليبي والذي رعته إيطاليا الأسبوع الماضي يهدف بشكل رئيسي إلى التصدي لتهريب البشر والإرهاب. وتسعى روما من خلال مبادرة الوساطة إلى توفير الأمن في الحدود الجنوبية الليبية، والذي يعني بطريقة غير مباشرة ضمان أمن الحدود الجنوبية لأوروبا.
الجمعة 2017/04/07
من أجل أمن الجميع

روما – قالت ميكيلا ميركوري، أستاذة التاريخ المعاصر في جامعة ماتشيراتا الإيطالية، إن رعاية روما لاتفاق المصالحة بين قبيلتين في الجنوب الليبي جاءت ضمن مساعيها لمكافحة الهجرة غير الشرعية. وأضافت أن إيطاليا تتجه نحو تمكين المجتمعات المحلية، عبر تقديم مساعدات مالية وتقنية، لتشكل حائط صد أمام تدفقات الهجرة غير الشرعية من دول أفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى مكافحة الإرهاب، ومن ثم ضمان أمن الحدود الجنوبية لأوروبا.

وكانت إيطاليا قد رعت اتفاقا بين قبيلتي “أولاد سليمان” و”التبو”، بعد مفاوضات في روما، دامت 72 ساعة. ويتضمن الاتفاق، الذي جرى توقيعه الأربعاء الماضي، 12 بندا. وينص على مراقبة 5 آلاف كم من الحدود الليبية الجنوبية.

وقال بيان لوزارة الخارجية الإيطالية، الأحد الماضي، إن توقيع الاتفاق تمّ بحضور نحو 60 من شيوخ القبيلتين، وممثلين عن قبائل الطوارق وحكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا.

ومن بين ما نصّ عليه الاتفاق بين القبيلتين المتصارعتين: الصلح الشامل والدائم بين الطرفين، والتعويض للمتضررين، على أن تتكفل إيطاليا بدفع القيمة المالية. كما ينصّ الاتفاق على إخلاء الأماكن العامة في الجنوب من التشكيلات المسلحة وتسليمها إلى الجيش والشرطة، على أن يكون للجميع الحق في المشاركة في تولي الوظائف العامة.

ويمثّل هذا الاتفاق القبلي الليبي برعاية إيطالية وفق ميركوري “خطوة متقدّمة ضمن توجه إيطاليا إلى وأد تدفقات الهجرة في منبعها، ولا سيما دول أفريقيا جنوب الصحراء”. وتابعت قائلة إن روما تعهدت بتقديم مساعدات تقنية ومالية لتلك القبائل، ضمن جهود ضبط الحدود الليبية الجنوبية”.

ولا يقتصر هذا النهج الإيطالي على الساحة الليبية، حيث لفتت ميركوري إلى أن “روما أبرمت اتفاقا مع النيجر وآخر مع حكومة الوفاق لتدريب قوات خفر السواحل الليبية”.

ويعتمد التوجه الإيطالي الجديد على تقديم المال والمساعدات التقنية للمناطق الحدودية، مقابل سيطرة المجتمعات المحلية على منافذ الهجرة غير الشرعية، ووضع حد لتجارة تهريب البشر نحو أوروبا.

ولا يتوقف اهتمام إيطاليا بليبيا عند ملف الهجرة، فروما بحسب ميركوري “أكبر مستورد للنفط، والمتلقي الوحيد للغاز الليبي عبر أنبوب الدفق الأخضر”. وتابعت “علينا أن نتذكر أن المحطة التابعة لشركة إيني الإيطالية للنفط في ميناء مليتة النفطي (غرب) لا تزال واحدة من المحطات القليلة العاملة حتى اليوم، فضلا عن أنشطة التعدين البحري الإيطالية قبالة ساحل طرابلس.

التوجه الإيطالي الجديد يعتمد على تقديم المال والمساعدات التقنية للمناطق الحدودية، مقابل سيطرة المجتمعات المحلية على منافذ الهجرة غير الشرعية، ووضع حد لتجارة تهريب البشر نحو أوروبا

وأوضحت “إيني هي الشركة الدولية الوحيدة التي لا تزال قادرة على إنتاج وتوزيع النفط والغاز في ليبيا”. وأردفت ميركوري “إيني تعمل في ليبيا منذ 1959، ومن السهل تصور إيجاد الشركة سبل اتصال تمكّنها حاليا من التعايش مع البعض من الميليشيات الليبية، لكن هذا وحده لا يؤمن الاستقرار ولا بد من جهد سياسي على المدى الطويل”.

وتبدي روما دعما لحكومة الوفاق، برئاسة فائز السراج ضمن الجهد السياسي لتأمين المصالح الإيطالية في ليبيا. وقالت ميركوري إن “حضور مندوب عن الوفاق خلال المفاوضات، وأثناء التوقيع على الاتفاق بين القبيلتين دليل على الاعتراف بدور حكومة السراج الرئيسي في ليبيا”.

وتتقاتل في ليبيا منذ الإطاحة بالقذافي عام 2011 كيانات مسلحة متعددة. وتتصارع حاليا ثلاث حكومات على الحكم والشرعية، اثنتان منها في طرابلس، وهما الوفاق (المعترف بها دوليا) والإنقاذ، إضافة إلى الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء (شرق)، المنبثقة عن مجلس النواب في طبرق، التابعة له قوات حفتر.

واعتبرت ميركوري أنه “لم يبق لحكومة الوفاق من حليف سوى إيطاليا، التي أعادت فتح سفارتها في طرابلس، وأقامت مستشفى ميدانيا في مصراتة (206 كم جنوب غرب طرابلس)، فضلا عن تدريبها أفراد خفر السواحل الليبي”.

وتابعت قائلة إن “إيطاليا، ولكونها الجهة الغربية الوحيدة في طرابلس، ستصبح خلال الفترة المقبلة نقطة اتصال ووسيط سياسي بين الغرب وروسيا”. وتعتبر الأخيرة أحد أبرز داعمي حفتر. فيما يرفض البرلمان الليبي الاعتراف بحكومة الوفاق.

وقال محمد سندو، مستشار زعيم قبيلة “التبو”، زيلاوي مينا صالح الذي وقّع على اتفاق روما، إن “الحكومة الإيطالية علمت باحتياجات التنمية لدينا، لا سيما البنية التحتية والأمن وعلاج جرحانا في المستشفيات الإيطالية، إضافة إلى إنشاء مراكز تدريب مهني وتقديم منح دراسية للبعض من أبنائنا للدراسة في إيطاليا”. وتابع سندو في مقابلة مع صحيفة “كوريره ديلا سيرا” الإيطالية هذا الأسبوع “العديد من شبابنا بلا أمل، ويعملون الآن في تسهيل الهجرة غير الشرعية. لكن إذا أعطيتهم خيارات مختلفة في الحياة فسيتوقفون”.

وشدد على أن “الالتزام الرئيس في اتفاق روما هو مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب”. وأشار سندو إلى أنه “بعد انهيار النظام والحرب الأهلية تداعى اقتصادنا. المصارف فارغة، ولم يعد لدى الكثير من الليبيين ما يأكلونه”. وأضاف “ولهذا يعتقد الكثير من السكان المحليين أن العمل بالهجرة غير الشرعية لا بديل عنه. 15 بالمئة من البالغين في التبو يعملون في هذا المجال”.

وقالت الخارجية الإيطالية، بعد التوقيع على اتفاق روما، إن “مبادرة الوساطة الايطالية بين القبيلتين الليبيتين تهدف إلى مكافحة اقتصاد مبني على التهريب”. وأوضحت أن هذه الممارسات تؤدي إلى مقتل المئات في البحر المتوسط خلال محاولة الهجرة إلى أوروبا، والتصدي لتصاعد موجة الشعبوية المناهضة للمهاجرين في أوروبا، إضافة إلى الإرهاب في الصحراء.

وسيتم بموجب هذا الاتفاق تشكيل “قوة من حرس الحدود الليبيين، للسيطرة على 5 آلاف كيلومتر من الحدود الجنوبية، ومكافحة مهربي المهاجرين”، حسب تصريحات لوزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي، نقلها التلفزيون الحكومي عقب الاتفاق.

وشدد مينيتي خلال تصريحاته الصحافية على أن “توفير الأمن في الحدود الجنوبية الليبية يعني ضمان أمن الحدود الجنوبية لأوروبا”.

4