المساعدات.. ورقة أميركا لنصرة الإخوان على مصر

الاثنين 2013/10/14
واشنطن تسعى إلى كسر شوكة المؤسسة العسكرية في مصر

وفقا للتقديرات الرسمية فإن دافعي الضرائب الأميركيين يمولون قيمة المعونة العسكرية لمصر سنويا والتي تقدر بـ 1.3 مليار دولار، بخلاف وجود أشكال مختلفة من المساعدات غير المباشرة، بما في ذلك الأموال القادمة من الدول الغربية والأوروبية التي تحركها واشنطن إلى القاهرة، بسبب تحالفها الاستراتيجي المستمر عبر سنوات مع القيادة المصرية، ومع مرور السنوات أصبحت المعونة تمثل ما بين ربع وثلث الاقتصاد المصري، وهذا ما يؤكد أن مصر قد تتأثر اقتصادياً في حال لجأت أمريكا إلى قطعها نهائياً.

ناثان بروان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون الأميركية، قال: «إن الإنفاق العسكري أو الإنفاق الباهظ على الجيوش يقتل الاقتصاديات، لأنها منظمات غير منتجة والعلماء والمهندسون وغيرهم من الخبراء يتوقفون عن إنتاج السلع والخدمات القيمة للإنسانية، ويقضون حياتهم في معرفة كيفية صنع السلاح وتطويره لتدمير الأشياء وقتل الناس، وما يحدث في مصر من هيمنة اقتصادية لقواتها المسلحة سيخلق المزيد من المشاكل مستقبلاً، لأن تقليص المساعدات الأميركية سيؤدي بالقطع إلى تعويض هذا النقص من ميزانية الدولة، لسد عجز الإنفاق العسكري، وبالطبع سيؤثر ذلك على المردود الاجتماعي وعلى التنمية الديمقراطية الناشئة في البلاد، وبالتالي فإن واشنطن تحاول من وراء هذا القرار شلّ الاقتصاد المصري، وقتل الديمقراطية إن أمكن».

من جانبه أوضح إبراهيم كراوان أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة يوتاه بواشنطن، أن أكثر دولة غاضبة من القرار الأميركي بتقليص المساعدات العسكرية إلى القاهرة هي إسرائيل، خوفاً من لجوء القاهرة إلى حلفاء جدد مثل روسيا أو الصين لتعويض الفاقد العسكري، ورغم أن هذا القرار صعب من الناحية العملية إلا أنه مجرد اقتراح تدرسه القيادة المصرية، مؤكداً أن تل أبيب تتخوف من إلغاء معاهدة السلام (كامب ديفيد) جرّاء هذا القرار الأميركي في حال رأت واشنطن وقف المساعدات نهائياً إلى القاهرة، نظراً إلى أن أحد بنودها يلزم البيت الأبيض بتقديم منحة مالية سنوياً إلى مصر وإسرائيل.

و في أعقاب الربيع العربي عام 2011، ركزت المناقشة العامة في الولايات المتحدة حول كيفية دعم أميركا لدول الشرق الأوسط في ذروة هذه الاضطرابات وتحديداً مصر.. ومع ذلك تغيرت الأمور في الآونة الأخيرة مع قيام الثورة السورية، وبدلا من التركيز على الاستقرار العام في المشرق العربي، فقد تقلص النقاش الأميركي إلى كيفية القضاء على الأسلحة الكيميائية وليس إلى تسوية حقيقية للأزمة.

في السياق ذاته أوضح أمين صيقل، مدير مركز الدراسات العربية والإسلامية بأستراليا، أن واشنطن تناور القاهرة جيداً بأموال المعونة. ولفت إلى أن بعض أعضاء الكونغرس يؤيدون قطع المساعدات العسكرية لمصر وأبرزهم السيناتور الجمهوري جون ماكين، في حين أن آخرين ليسوا سعداء بالقرار ومعظم كبار الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، انتقدوا أوباما فور صدور هذا القرار، وأيضاً أعربت إسرائيل عن استيائها من التقشف العسكري الأميركي مع القاهرة، خوفاً من أن يؤثر ذلك على العلاقات المستقبلية مع جارة تل أبيب على الحدود وفي سيناء.

أما باقر سلمان، الخبير السياسي بمركز الخليج للأبحاث بالبحرين فأكد أنه على مدى السنوات الـ 35 الماضية كانت القيادة المصرية حليفاً موثوقاً للولايات المتحدة في المنطقة، بعد أن استطاع الرئيس الراحل أنور السادات إبعاد الاتحاد السوفياتي عن بلاده، وتبعه في هذه الاستراتيجية حسني مبارك، حيث وقفت إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية في حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1990، وأيضاً في الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ورغم أن هذا الموقف أكسبه ازدراء من رقعة واسعة داخل المجتمع المصري، إلا أنه أصبح حليفاً مخلصاً لواشنطن لضمان تدفق المساعدات الاقتصادية والعسكرية لبلاده، ولكن هذا الولاء نتج عنه سوء تقدير استراتيجي للرئيس المصري الأسبق، حيث تم التغاضي عنه وقت ثورة يناير وتخلي الأميركان عن دعمه نهائياً وطالبوه بالذهاب بعيداً عن السلطة، مؤكداً أن تقليص المساعدات العسكرية إلى مصر في هذا التوقيت قرار خاطئ من إدارة أوباما، لأنه إذا كان الهدف الأساسي من أي خفض للمساعدات هو إنقاذ الديمقراطية في مصر، فإن القرار جاء في وقت متأخر جداً، في الوقت الذي تواجه فيه القاهرة إرهاباً داخلياً يتطلب تضافر جميع الجهود العربية والغربية من أجل القضاء عليه، نظراً إلى أن مصر هي رمانة ميزان المنطقة للعرب وأميركا، وأي منحنى سياسي سوف تسلكه القاهرة ستتبعها الدول العربية، مما يؤثر بالقطع على مصالح واشنطن في المنطقة، وأيضاً قطع المعونة الآن قد يكون أمراً منطقياً للضغط على القاهرة لتنفيذ خارطة الطريق، ولكن مع تزايد العنف وإراقة الدماء المستمرة من قوى الإرهاب الداخلي فإنه سينظر إلى الأمر بأن أميركا تستعرض عضلاتها ضد النظام السياسي المؤقت، وبالتالي لا ينبغي أن تكون منحة الولايات المتحدة جزءاً من اتفاق التهدئة للتفاوض مع الإخوان المسلمين أو استخدامها كحافز لوقف العنف.

ويرى د. غانم النجار أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط غير متناسقة، وعلى سبيل المثال، لا تستطيع واشنطن أن تلوح ببطاقة المساعدات ضد إسرائيل للضغط عليها لدفع عملية السلام، أو للاحتجاج على الاستخدام المكثف للقوة العسكرية ضد الفلسطينيين، وحتى لا يجادل البعض بأن السياق مختلف وأن إسرائيل ليست مصر، سيتم اتخاذ نفس المنطق ومصر ليست إيران أو سوريا، البلد الذي تعذب بشكل منتظم ويضطهد شعبه من أجل أنه خرج ليطالب بحريته، ومع ذلك فإن إدارة أوباما مستعدة لرفع العقوبات المفروضة على إيران إذا تخلت عن برنامجها النووي دون حتى مناقشة سجلها في مجال حقوق الإنسان، كما أن واشنطن أظهرت الكثير من الاحترام تجاه بشار الأسد بعد موافقته على تنفيذ صفقة تفكيك ترسانة من الأسلحة الكيميائية، على الرغم من المذابح الجارية في سوريا، لافتاً إلى أن هذا التناقض في فكر الإدارة الأميركية الحالية ضد القاهرة سوف يؤثر بالطبع على مصالح البلدين في المنطقة، والكثير في مصر ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة سلبية جداً تجاه مواقفها غير المسؤولة منذ أحداث ثورة 30 يونيو وسقوط الإخوان المسلمين، مؤكداً أن قرار أوباما بتقليص المساعدات العسكرية للقاهرة يتطلب بوضوح مراجعة السياسة الأميركية في مصر.

6