المسافة بين الإنجاز والموقف

الأربعاء 2013/10/23

القرار السعودي يختصر المسافة بين الإنجاز والموقف، ويعيد تعريفهما لمن يعتقد أن الدولة قضت سنوات تجمع الأصوات والتأييد ثم بعد ساعات من تحقيق الإنجاز التاريخي تعتذر لتسجيل احتجاج من نوع ما. الدبلوماسية السعودية الهادئة المعروفة أكبر من ذلك وتؤكد أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يكون ارتجالياً أو عاطفياً أو ردة فعل لخلاف هنا أو هناك. وإذا كان الإنجاز السعودي التاريخي يستحق الإشادة فموقفها يستحق ذلك أيضا خاصة حينما يتم التعامل معه في إطار الأحداث بصفة عامة لا في إطار ضيّق كعلاقتها بالولايات المتحدة كما حاولت النيويورك تايمز تصويره كتغيير دراماتيكي في السياسة السعودية جاء في ظل التقارب الإيراني- الأميركي، وتبعها في تلك الرؤية الضيقة الكثير ممن لم يستند إلى أساس استقرائي بقدر ما هو استنتاج لما يحدث ظاهراً حيث لا يشكل هذا التقارب تلك الخطورة الموهومة كما أشرت في مقال سابق في هذه الصحيفة بعنوان «مناني رابعة».

الخلاف السعودي الأميركي هو حول موقفها تجاه سوريا إضافة إلى نواياها في المنطقة، فبعد التخلي الأميركي عن مبارك بدأت الأهداف الأميركية تتضح ثم تبين سيرها قدماً نحو الفوضى الخلاقة بعد ثورة 30 يونيو، وهو ما أكده موقفها الداعم للتنظيم الدولي للإخوان وموقفها تجاه مصر والذي استنكره العاهل السعودي.

ولعل من المضحك المبكي أن تصل التحليلات إلى وصف القرار بأنه صادر من دولة لا يصح أن تكون ضمن المنظومة الدولية والمطالبة بسحب ترشيحها من حقوق الإنسان لانتهاكها ما وصفه الناشط الحقوقي المقيم في أوروبا بحقوق المثليين. مطالبة لا تبتعد كثيراً عن محاولة بعض الأقلام التقليل من القرار بحجة أن هذا الموقف كان يمكن أن يكون أكثر فاعلية قبل سنوات من الآن، أو الزعم بأن الولايات المتحدة قللت من القرار السعودي فيما الواقع العملي يشير إلى تفهمها له حسب ما جاء في تصريح المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، وهناك فرق كبير بين تفهم القرار وبين التقليل منه.

المواقف السعودية من القرارات الجائرة لمجلس الأمن بدأت منذ عهد الملك فيصل رحمه الله وأكدتها السعودية في كلمة العاهل السعودي في افتتاح الجنادرية عام 2012 ثم في مؤتمر القمة الإسلامية الأخير، ثم بالامتناع عن إلقاء السعودية لكلمتها في الجمعية العامة، وأخيراً بالبيان الصاعقة للخارجية السعودية. فخلال عمر الأمم المتحدة التي بلغت 68 عام تم استخدام الفيتو فيها أكثر من 230 مرة لصالح القطبين الروسي والأميركي، منها أكثر من 130 فيتو من روسيا فقط هذا عدا الجلسات المغلقة، والفيتو ضد انضمام دول بعينها أو ضد مرشحين محتملين للأمانة العامة. وهو الأمر الذي جعل بان كي مون والمتحدث الرسمي يعترفان بعيداً عن الكاميرا بحاجة مجلس الأمن للإصلاحات. ولكن هل ستسمح الدول الخمس بإعادة هيكلة الأمم المتحدة، أو على الأقل بتغييرات تؤثر على قدرتها وسيطرتها ما لم تكن هناك مواقف دولية مشابهة أو التلويح بذلك من خلال تأييد القرار السعودي.

الموقف السعودي إذن ليس احتجاجياً بقدر ما هو رسالة موجهة لأميركا وروسيا ومجلس الأمن، وكشف للصفقة الروسية الأميركية السورية الإسرائيلية الإيرانية لإبقاء الأسد في السلطة، والتي يتم فيها استغلال مجلس الأمن لتنفيذها على أرض الواقع، وهو ما لا يمكن أن تقبله أو تباركه السعودية. ولكي نستطيع أن نستوعب السبب الفعلي للقرار السعودي ينبغي أن ننظر إلى من أغضبه القرار وهما روسيا والنظام السوري. وإن كان الغضب السوري مفهوماً فما الذي أغضب روسيا لتنتقد القرار بتلك الحدة، وهي التي مارست سياسة الكرسي الشاغر وقاطعت مجلس الأمن أوائل الخمسينات للضغط على المجلس لمنح العضوية الدائمة لبكين بدلاً من تايبيه.

العلاقة مع روسيا اتسمت بالتوتر منذ عقود ولم تبدأ في التحسن إلا عقب زيارة العاهل السعودي لموسكو إبّان ولايته للعهد عام 2003، ثم زيارة بوتين للرياض عام 2007 إلا أن الأحداث في سوريا أعادت التوتر إلى السطح مرة أخرى. ثم جاءت زيارة بندر بن سلطان في محاولة لثني روسيا عن موقفها الداعم لنظام الأسد إلا أنها لم توفق في ذلك. ورغم شدة الخلاف الروسي السعودي إلا أن هناك نقاط اتفاق كاتفاقهما حول عدم تكرار التجربة العراقية والعمل على المحافظة على مؤسسات الدولة السورية ورفض سيطرة القاعدة عليها ودعم استقرار مصر والشرق الأوسط وعدم الثقة في النوايا الأميركية في المنطقة. ويبقى النظام السوري والدعم الروسي له هي نقطة الخلاف الرئيسة، فروسيا لن تقبل بسقوط النظام السوري لثلاثة أسباب:

خط الغاز الروسي، وكون سوريا الحليف الاستراتيجي الوحيد في المنطقة، ثم أن سقوط النظام السوري يضعف حكومة طهران ويعرضها لعدم الاستقرار والذي بدوره يفتح الباب على مصراعيه أمام عدم استقرار جنوب القوقاز مما يهدد الأمن القومي الروسي.

وإذا كان هذا هو سبب استخدام روسيا المتكرر للفيتو، وإذا كانت الولايات المتحدة فضلت تجنب الضربة العسكرية، فليس على الرياض التي لا تستطيع القفز على الخارطة الجغرافية للحرب في سوريا، إلا أن تقول لا لاستخدام مجلس الأمن لمصلحة روسيا على حساب الشعب السوري، أو السماح لحزب الله وألوية أبو الفضل العباس والحرس الجمهوري الإيراني في جوبر وبرزة وريف دمشق وحمص وحلب بارتكاب المجازر وليس آخرها كيماوي الغوطة، فسكوت المجلس عنها عبارة عن مشاركة فعلية فيها.

لذلك جاء تأييد فرنسا وتفهمها للموقف السعودي في إطار ما لمسته من سوء استخدام للفيتو الروسي مما دعاها في وقت سابق إلى أن تقترح عدم استخدام الفيتو في حال حدوث مجازر كبيرة. ثم جاء التأييد التركي بعد أن تبينت أنقرة الخطر الذي تمثله صنيعتها «داعش» على استقرارها كإقرار من الرئاسة التركية بصحة ما طالبت به المملكة منذ بداية الأزمة السورية بشأن عدم السماح بالتدخلات الأجنبية على الأرض السورية. يلي ذلك التأييد العربي من القاهرة وأبو ظبي والمنامة وتونس والمجلس الوطني السوري وربما غيرها خلال الأيام القادمة، وكذلك عدم ترشح أياً من دول الخليج سيجعل الرسالة السعودية التي تضمنها القرار واضحة وقوية.

هذه القوى تدعم وبقوة الرسالة السعودية التي تتضمن رفضاً لأن تتحكم دولة بعينها في مصير شعب. حجم التأييد يعكس بكل بساطة أن الدبلوماسية السعودية الهادئة لا ترتجل القرارات ولا تأخذها نتيجة انفعال من نوع ما، وأن هذا التأييد فيه إشارة إلى أن عقد المجلس قد ينفرط، بالإضافة إلى أن الرياض من كبار ممولي المنظمة الدولية مما يوحي بما تخشاه المنظمة الدولية فالتمويل لغة تفهمها المنظمة جيداً.

إذن هي رسالة موجهة كوسيلة ضغط على أميركا وروسيا والأمم المتحدة قبل اجتماعهم في نوفمبر القادم للتفاهم حول كيفية تمثيل النظام والمعارضة في مؤتمر جنيف2. رسالة اختصرت المسافة بين بدء مسيرة الإنجاز، والموقف المُتخذ من المجلس.


كاتب سعودي

9