المسافة بين النقد البناء والنقد الهدام معبدة بحسن النوايا

متخصصون ينصحون بتطبيق نظرية الشطيرة في النقد، ويؤكدون على ضرورة حماية أنفسنا من النقد الهدام والتأقلم معه.
الخميس 2018/03/01
النقد لا يؤثر على احترام الذات

لم نصادف حتى الآن من لم يتعرض للانتقاد، فالمرور ضمن دروب هذه الحياة حتى وإن كان عابراً؛ يعني الاحتكاك بالناس وهذا في الواقع هو مصدر العلاقة بالآخر، وبالتالي، تحمّل تبعات هذه العلاقة خاصة إذا كانت بشخص مقرّب يشاركنا يومياتنا سواء أكان في العمل أم في المنزل تحديدا.

وعلى الرغم من أن أغلب الناس يتعرضون للانتقاد، إلا أن نسبة ضئيلة جداً منهم يعرفون كيف يتعاملون معه بشكل فاعل، كما أن النقد في حد ذاته أنواع؛ منها النقد البنّاء والنقد الهدّام.

الدكتور كليفورد لازاراس في اختصاص الصحة النفسية ومدير معهد لازورس الأميركي المتخصص في العلاج النفسي متعدد الوسائط، يرى أن النوع الثالث من النقد هو الذي لا يرتبط بأي شيء أو ليس له علاقة بشيء معين، هو نقد لمجرد النقد.

فرق بين النقد البناء الذي يصدر عادة عن أشخاص محبين والنقد الهدام الذي يؤذي، والتمييز بينهما أمر مهم

 وأما النقد الهدّام أو المدمر، فيأتي عادة في صيغة عدوانية أو على شكل هجوم مباشر على شخص ما بالقول مثلاً “أنت شخص أناني مثير للاشمئزاز”، أو “أنت غبي وغير كفء”! فإذا تمثل لك مثل هذا النوع من النقد وتعرضت لهجوم مشابه من قبل شخص يسمح لنفسه بأن يتفوه بمثل هذه الكلمات الجارحة، فتأكد أن هناك خطأ ما قد حدث وهذا الخطأ كما يراه لازاراس، يتعلق بالشخص الذي انتقدك ولا يتعلق بك بالتأكيد.

فالشخص العقلاني والمتزن لا يلجأ إلى إتباع مثل هذه الأساليب في علاقته بالآخرين، حتى لو تسببوا في الإساءة إليه، أما طريقته العدوانية في النقد فإنما تكشف عن مشكلة نفسية كما تكشف عن شخصية الناقد لا الشخص الذي يتعرض للانتقاد ولهذا، يبدو أمراً سخيفاً أن نأخذ كلامه على محمل الجد أو أن نمنحه أي اهتمام، وبدلاً من ذلك نحاول منع هذا الشخص من التفوه بالمزيد من الكلمات الجارحة، بطريقة تتناسب مع شخصيته فإذا اتهمك شخص بالغباء مثلاً فيتوجب عليك مواجهته ليبيّن السبب الذي جعله يتفوه بهذه الكلمات، وسيكون حينها بين خيارين؛ أن يورد سبب تقصيرك الذي جعلك تستحق هذا الوصف أو أن يكتفي بالصمت لعدم وجود سبب يستحق هذا، وفي كلا الحالتين، فإنه لأمر محرج لهذا الشخص أن يقف أمامك في موقف لا يحسد عليه، وربما يتمكن منه شعور بالخجل بدلاً عنك لأنه تفوّه بكلمات غير لائقة.

أما الجانب الإيجابي من النقد فهو النقد البنّاء، حيث يمكنه أن يكون مفيدا ومثمرا عندما يتعلق الأمر بتجربة أو عمل ما يستوجب إسداء نصيحة أو ملاحظة، خاصة حين يستخدم الناقد نظرية “الشطيرة” أو “السندويتش”؛ حيث يضع كلمات النقد بين تعليقين إيجابيين فتكون كالشطيرة التي تحمل بين قطعتي الخبز قطعة من اللحم، وتكون قطعة اللحم هذه هي كلمات النقد التي خفت حدتها حين وضعها الناقد بين تعليقين إيجابيين.

 

في أغلب الأحيان، يتملكنا الغضب كرد فعل فوري بعد أن نكون قد تعرضنا للانتقاد، أيا كان نوع هذا الانتقاد، بحق أو بغير وجه حق، من قبل غرباء أو مقربين، بأسلوب موضوعي أو جارح. في الوقت الذي تبدو فيه أغلب أنواع الانتقاد وأكثرها شيوعا هي من النوع الذي نتعرض له يوميا، ويتكرر معنا في المنزل وفي العمل، أو حتى في حديثنا مع الأصدقاء؛ وهو الانتقاد الذي يقيّم كيفية أدائنا لواجباتنا، وإذا ما كانت في المستوى الذي يتوقعه منا الآخرون، وهو السبب ذاته الذي يثير غضبنا وتذمرنا مع ما يستفزه من مشاعر الامتهان والشعور بالتقصير في العمل وربما الظلم.

ويؤكد لازاراس على أن العديد من الأشخاص يمتلكون الكثير من الذكاء وحسن النوايا، إلا أنه ليست لديهم فكرة عن إسداء نصيحة أو تقديم نقد موضوعي كما أنهم لا يدركون أحياناً أن النقد الذي يقدمونه للآخرين، ينطوي في الكثير من الأحيان على قسوة يمكن أن تجرح مشاعر الطرف الآخر ولا تقدم أي نتائج إيجابية على الإطلاق.

من جانب آخر، ترى إليسون أبرامز؛ وهي كاتبة وطبيبة نفسية أميركية، أن من واجبنا حماية أنفسنا من النقد الهدّام ومحاولة التأقلم معه وتجاهله إذا أمكن ذلك، في الوقت الذي نكون فيه محاطين بأناس لا يرغبون في تقديم الدعم لنا بقدر رغبتهم في تدميرنا أو على الأقل إحباط مساعينا والتقليل من نجاحاتنا وتقويض احترامنا لذاتنا والثقة بأنفسنا.

ومع هذا، فإن النقد البنّاء يبدو أمرا صحيا بل ضروريا في بعض الحالات؛ فإذا لم نعرف نقاط ضعفنا ومواطن الخطأ في أفعالنا فكيف لنا أن نتغير ونتقدم؟ هناك فرق بين النقد البناء الذي يصدر عادة عن أشخاص محبين والنقد الهدام الذي يؤذي ويقوّض، والتمييز بينهما أمر مهم وهو مفتاح السرّ.

وبشكل مؤسف، تعزز التقنية الحديثة من فرص تداول النقد الهدام، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يختبئ الشخص الناقد خلف صورة واسم مستعار وبالتالي، يجد حرية مطلقة في بث سمومه وانتقاد أشخاص قد لا يعرفهم لمجرد رغبته في إيذاء الآخرين، فضلاً عن ذلك، لا يمكن التعامل مع هذا الناقد المجهول بالأساليب العادية خلال محاولة محاججته مثلاً أو تبيان وجهة نظرنا وتقديم دفاعنا عن أنفسنا، لأنه ببساطة كائن مجهول بالنسبة إلينا ولن نستطيع معرفة دوافعه بطبيعة الحال، لكن وكما هو الحال في الأشخاص المعروفين لدينا، فإن استخدام النقد الهدام بصورة عدوانية واضحة، يعبّر بالضرورة عن افتقاد هذا الشخص للاتزان وبالتأكيد فهو يعاني من اضطراب نفسي واضح.

هناك أيضاً نوع من النفاق في عملية النقد؛ فبعض الأشخاص يبتسمون في وجوهنا ثم ينتظرون الفرصة المناسبة لتوجيه النقد الجارح إلينا في غيابنا، فيما يلجأ آخرون إلى توجيه النقد الهدّام إلينا في صيغة ودية مرفقة بابتسامة بحجة خوفهم على مصالحنا ورغبتهم في تقديم النصيحة، وهذه الطريقة أكثر تسبباً في الأذى وتبدو أكثر قسوة من سواها، إذ أننا نستطيع أن نتحسس ثقل كلماتهم الجارحة وكأنها نتف من ثلج تسقط على ملامحنا.

 وأكثر من ذلك، يعمل المجتمع الاستهلاكي على تعميق الشعور بتدنّي مستوى احترام الذات وهو يستخدم النقد الهدّام للمستهلك بطريقته الخاصة في ترويجه للسلع المادية، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فالإعلانات في الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية والتلفزيون، وخاصة في ما يتعلق بمستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، وأساليب تخفيض الوزن، تخبرنا دائماً بأننا لسنا بالمستوى اللائق بحسب مقاييس الجمال والرقي، مقارنة بالعارضات اللاتي يمثلن نماذج مبالغا فيها، قد تقترب من وجهة نظر البعض إلى الكمال، حيث تعمل هذه الإعلانات كناقد لا يرحم يعمل دون توقف لهدم ثقتنا بأنفسنا، وقد يصل إلى هدفه بكل سهولة.

21