المساكنة قرار شخصي للشباب لا يعترف بالأعراف والمحظورات

ظاهرة المساكنة تبرز بشكل علني في المجتمعات العربية وتمثل صراعا بين قطبين: تقاليد المجتمع وحرية الشباب في اختيار أسلوب الحياة.
الأحد 2019/03/31
نمط يفرض نفسه

تفضل المجتمعات العربية عدم الاعتراف بظواهر عديدة موجودة بين الجيل الجديد مثل المساكنة التي تزداد انتشارا، رغم رفضها بشكل قاطع وتحريمها في جميع الأديان، لكن طريقة حياة الشباب اليوم أصبحت تتجاوز المحظورات والأعراف الاجتماعية سرا أو علانية.

شهدت المفاهيم الاجتماعية في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة ومن ضمنها مفهوم العلاقات على اختلاف أنواعها، وبات الشباب يتجرأون على الجهر بمعتقداتهم وأسلوب الحياة الذي يؤمنون به كاعترافهم بالمساكنة التي أصبحت ظاهرة ملحوظة حتى في المجتمعات المحافظة.

المساكنة ليست حالة طارئة وغريبة عن المجتمعات العربية وإن كانت مسكوتا عنها، بل هي ظاهرة موجودة بالأصل ولكنها برزت الآن بشكل علني وجريء أكثر من ذي قبل، نتيجة تحرر قسم كبير من الشباب من قيود الأهل والرقابة الاجتماعية التي كانت تمنعهم من المجاهرة بها كما يفعلون الآن.

أنواع متعددة

تتفق الديانتان المسيحيّة والإسلام على رفض المساكنة والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وتعتبران أنّ سكن شخصين مع بعضهما من غير عقد زواج غير شرعي هو زنا، باعتبار أنّ المساكنة تشجّع على الرذيلة. فالزواج في المسيحيّة عقد وعهد وهو غير متوفر في المساكنة، فيما الإسلام يشترط لسكن رجل وامرأة تحت سقف واحد أنّ يكون بينهما عقد شرعي أي الزواج، حفاظا على الأسرة والمجتمع.

ولا تختلف أسباب الشباب العرب بشأن تجربة المساكنة بين بلد وآخر، فمبررات اللجوء إليها واحدة ونظرة المجتمعات والرفض القاطع لها أيضا، وأصبحت المساكنة إحدى ظواهر العولمة.

ووفق تجارب المتساكنين هناك ثلاثة أنواع من المساكنة، الأول المساكنة الجزئية وهي التي لا تتضمن علاقة جنسية، أي أن الطرفين مرتبطان ببعضهما عاطفيا ويسكنان تحت سقف واحد لكن لا توجد علاقة جنسية بينهما.

 وهناك المساكنة الكاملة التي يعيش فيها الطرفان حياتهما كأي زوجين، ويمارسان العلاقة بشكل كامل، والنوع الثالث هو تشارك السكن فقط دون وجود علاقة عاطفية أو جنسية بين الشاب والفتاة وهذا عادة يكون لأسباب اقتصادية لعدم قدرة شركاء السكن على دفع إيجار بيت مستقل خاص بهم.

ويلجأ شباب لبنان إلى المساكنة لعدة أسباب، من بينها التمرد على القيود، أو لكسر المحرّمات، أو تعبيرا عما يؤمنون به ويعبّرون عنه، كما هو الحال لدى الشباب عموما، رغم أن المجتمع اللبناني لا يتقبل المساكنة بالمجمل، لكنها موجودة وإن كانت لم تصل إلى مرحلة المجاهرة بها أو عدم السعي لكشفها، مع العلم أن كثيرين بدأوا بالدفاع عنها كخيار شخصي لهم.

طبيعة العلاقات الحديثة بين الشباب تفرض تعدد أشكال العلاقات العاطفية وعدم بقائها محصورة في إطار واحد

وتتنوع آراء الشباب الذين خاضوا هذه التجربة، فمنهم من يتقبّلون هذا الأمر ويعتبرونه حرية شخصية، ومنهم من يضعونه في مرتبة الاختبار الذاتي، تأكيدا منهم أنّ العلاقة الثنائية-العاطفية لا يمكن أن يسبروا أغوارها إذا لم يعطوها الوقت الكافي، وهذا لا يتحقق حسب وجهة نظرهم إلا من خلال العيش في بيت واحد، واكتشاف إيجابيات الارتباط وسلبياته، وهناك شريحة ليست قليلة تلجأ إلى هذا الخيار بسبب صعوبة الأوضاع المادية، وعدم رغبتها في تقاسم السكن مع غرباء.

ويرى خبراء الاجتماع أن المساكنة تفرض نفسها بشكل أو بآخر على المجتمع، وهو إن كان يرفضها نظريا لكنه يطبقها عمليا. لأن طبيعة العلاقات الحديثة بين الشباب تفرض تعدد أشكال العلاقات العاطفية وعدم بقائها محصورة بشكل واحد وهو الزواج التقليدي.

ويقول يوسف (30 عاما) إن التاريخ شهد عدة أشكال للعلاقات العاطفية والجنسية وهذا الأمر ليس حديثا، مشيرا إلى أن المساكنة هي أحد هذه الأشكال التي تعود أسبابها المباشرة إلى طبيعة الاحتكاك اليومي بين الرجل والمرأة بسبب بنية العمل الحديثة، وصعوبة الوصول إلى الزواج لما يحمله معه من كلفة مادية كبيرة جدا وتتداخل فيه أمور العائلة.

ويضيف يوسف الذي ينتمي إلى عائلة محافظة أن “علاقة المساكنة أصبحت شائعة إلا أنها غير علنية لأن المجتمع غير قادر على الإطلاق تقبل هذا الأمر”، متابعا “طبيعة مجتمعنا وثقافته تبعدان الرجل عن الشبهات وتتهم المرأة بالانحلال الأخلاقي حتى وإن قاما بنفس الفعل”.

تحمل المسؤولية

ويقر الكثيرون بأن الشباب الذين يعيشون المساكنة في أحياء بيروت في تزايد مستمر، وخصوصا في منطقتي الحمراء والأشرفية، لكونهما منطقتين حيويتين متنوّعتي الطوائف، تعجّ بالحياة والعمل والسهر.

وتقول نوال إحدى الفتيات التي تعيش حالة مساكنة بشكل سري، “المجتمع لم يتقبّل الفكرة بعد، ولست في وارد سيناريو ‘الثائرة البطلة’. حياتي الخاصة وقراراتي الشخصية أنا من تتحمّل مسؤوليتها”.

وتضيف “لم يكن هدفي المساكنة… ولكنّ المسار اتجّه طبيعيا. المساكنة أبعد من تجربة جسدية متمثلة بالجنس بل هي تجربة روحية تتمثل بالمشاعر بالإضافة إلى تفاصيل يومية، ومحاولة للإجابة عن سؤال مطروح: هل تستطيع أن تبقى مع شخص طوال حياتك؟ هل الزواج هو مجرّد ورقة تدافع عن حقوق معينة؟ المساكنة برأيي هي مؤسسة كمؤسسة الزواج الديني أو المدني أو الروحي”.

مسألة المساكنة مثيرة للجدل حتى بين أبناء الجيل الجديد أنفسهم
مسألة المساكنة مثيرة للجدل حتى بين أبناء الجيل الجديد أنفسهم

وتعتبر نوال أن “المسألة لا تتعلق بمخالفة التقاليد والعادات، ما أقوم به هو حقّي الطبيعي. أنا كفرد أو كمواطنة في هذا المجتمع لا أطلب تغيير المجتمع، ولكن من حقّي أن يكون لي مكان محترم فيه”. ويعترف الشباب بأن مسألة المساكنة مثيرة للجدل حتى بين أبناء الجيل الجديد أنفسهم، فهم في النهاية ينتمون إلى المجتمعات التي نشأوا فيها ولا يعني أن الجميع متمرد على قيم هذا المجتمع، أي أن القضية أصبحت صراعا بين قطبين: العادات وتقاليد المجتمع من جهة، والقناعات الشخصية للشباب من جهة أخرى.

ويرى البعض أن المساكنة هي ثمرة انتصار الرغبة على نظرة المجتمع ودرجة الرقابة التي يفرضها على هذا النوع من الارتباط، وهناك من يعتبر أن المساكنة “يجب أن تصنع شيئا من التوازن بين ما تريده أنت وما يريده المجتمع والجسر الذي يصل بين هذين الأمرين هو الكذب”.‏

وأحيانا يكون اختلاف الدين هو السبب لاختيار المساكنة. فعوض قيام أحدهم باعتناق دين الآخر أو السفر إلى دولة أخرى للزواج مدنيا فإن المساكنة هي الحل بالنسبة إليه. ويبقى هناك السبب الأقل شيوعا لدى بعض الشباب وهو الانتصار للحب والتمرد على العادات والتقاليد والوقوف بوجه مجتمعات لا تشبههم. لكن حتى هذه الفئة لا تجاهر بما تقوم به.

وتنتشر ظاهرة المساكنة بشكل كبير في الجزائر بالرغم من أنها من أكثر المجتمعات التي ترفضها ويجرمها القانون، وغالبا ما تنتهي الكثير من قصص المساكنة في أروقة المحاكم، حيث يتم القبض على شباب مع صديقاتهم تحت سقف واحد دون عقد زواج شرعي، وتتم ملاحقتهم بتهمة

الدعارة. ويقول عادل الذي يبلغ 35 سنة ويعيش مع صديقته الفرنسية “بالرغم من أننا نعيش في أكبر المدن الجزائرية إلا أن وضعيتنا صعبة بسبب الجيران والمحيط”.

وأكد أنه لا يواجه أي مشاكل مع عائلته التي يقول إنها متفتحة، غير أنه وجد مشكلة في إيجاد شقة للإيجار واضطر إلى البحث في الأحياء الراقية، التي غالبا لا يطالب أصحابها بإثبات الزواج.

ولا توجد إحصائيات ولا أرقام حول المساكنة في الجزائر، لكنها موجودة تحت تسميات أخرى، فهناك من الفتيات من يعشن في شقق يستأجرها أثرياء متزوجون، إلا أن هذه الحالة تعد مساكنة مؤقتة.

اقرأ أيضا:

اقتراح لتشريع قانون المساكنة

19