المساكن العشوائية تبدّد أحلام شباب البصرة الحالمين بـ"الذهب الأسود"

أغلب الشركات النفطية بالبصرة "تجلب موظفيها من الخارج” للعمل، في بلد تشكل نسبة البطالة فيه 18 بالمئة بين الشباب أغلبهم من خريجي الجامعات.
الخميس 2018/04/19
أمل البحث عن فرصة عمل لا يتبدّد

البصرة (العراق) – يراقب سلطان نايف وهو عراقي عاطل عن العمل قرب منزله الصغير الواقع بين سكة حديد وأسلاك لنقل الطاقة الكهربائية، أعمدة دخان تتصاعد من حقول النفط على امتداد الأفق في محافظة البصرة، جنوب البلاد.

يتوافد إلى البصرة، أغنى محافظات العراق بالنفط، عشرات آلاف الأشخاص القادمين من مناطق متفرقة في البلاد على غرار سلطان، سعيا وراء سراب الذهب الأسود وباتوا يتكدسون في احياء اقيمت فيها مساكن عشوائية.

رغم النشاط التجاري الواسع في محافظة البصرة المجاورة للكويت وإيران، حيث اعتقد هؤلاء ان بامكانهم العثور على فرصة عمل لكن انتهى بهم المطاف دون عمل وسط معاناة وعيش داخل مجمعات مكتظة في هذه المحافظة التي تعاني نقصا في البنى التحتية.

تنتشر تلك المنازل التي بني أغلبها من أحجار بأحجام مختلفة وعلب معدنية وتغطى سقوفها أحيانا بألواح معدنية ، لتشكل أحياء عشوائية لا تقترن بأي شكل من أشكال العمارة ولا تتوفر فيها أي خدمات عامة.

يقول نايف (25 عاما) الذي ما زال يعتمد على والديه في العيش كما هو حال أخوته الأربعة، ان “كل ما نحصل عليه من النفط هو التلوث”.

على مسافة قريبة من منزل هذا الشاب، يمكن رؤية أبقار وأغنام ترعى في منطقة خضراء لا يفصلها عن حقل تتصاعد منه لهب وأعمدة دخان سوداء، سوى حائط من الحجر.

يؤكد أغلب الشباب الذين كانوا يأملون بالحصول على فرصة عمل في الشركات النفطية العراقية او الأجنبية، ان الثروة النفطية في محافظة البصرة التي تشكل المنفذ البحري الوحيد للبلاد، هي “الموارد الأولى لثروة البلاد”.

وذكر نايف بأسف واضح بأن “أغلب الشركات النفطية تجلب موظفيها من الخارج” للعمل في هذا البلد الذي تشكل نسبة البطالة فيه 18 بالمئة بين الشباب اغلبهم من خريجي الجامعات.

ملك الدولة

وفقا لبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، لا تشكل وظائف العاملين في قطاع النفط العراقي سوى 1 % من القوى الوطنية، رغم أنه يمثل 65 بالمئة من الإنتاج الإجمالي للبلاد.

ويمثل شراء المنزل حلما حتى بالنسبة للذين وجدوا عملاً، مثل أم احمد التي تعمل خياطة واضافة إلى عملها في صالون حلاقة نسائي عائد لها.

تقول هذه السيدة بحسرة، “زوجي موظف حكومي لكن لا يمكننا ان نشتري سنتمترا مربعا على الأرض من الراتب الذي يتقاضاه”.

وتابعت وهي تنظر باتجاه ماكينة خياطتها الحديدية “حتى لو كنا ضد فكرة الاستحواذ، فقد سكنا” هنا على أرض للحكومة.

عيش دون أي خدمات
عيش دون أي خدمات

واشارت أم احمد (48 عاما) وهي تضع حجابا أسود حول وجهها، إلى ان البلدية دمرت منزلها بحجة التجاوز على المال العام، الأمر الذي “تطلب اعادة بنائه مجددا وبالكامل” .

بدوره، يقول وسام ماهر الذي يعمل حدادا (32 عاما) ان “السلطات لا تبالي بنا الا عند تدمير منازلنا” وتابع “نعيش تحت خطوط الكهرباء دون أي خدمات”.

وبرر هذا الرجل سكنه العشوائي، بأن “هذه منطقة واسعة لا تعود لأحد”، امتدت بين منازلها العشوائية طرق ترابية تكدست فيها القمامة وهياكل سيارات.

وتؤكد السلطات المحلية ان هذه الأرض التي تنتشر فيها ظاهرة المنازل العشوائية، ملك للدولة.

مجمعات عشوائية

تعود آخر دراسة حول المجمعات السكنية غير الرسمية في البصرة ، إلى عام 2014، وفقا إلى زهرة الجابري مسؤولة التخطيط العمراني في مجلس المحافظة، مشيرة إلى تحديد “48 الف و 520 منزلا” عشوائيا انذاك.

وأكدت الجابري في تصريحات صحفية، الآن “هناك أكثر بكثير لكنه ليس لدينا أي أرقام” دقيقة.

وأدى هجوم تنظيم داعش عام 2014 حين سيطر على ثلث مساحة البلاد إلى فرار أعداد هائلة إلى مناطق متفرقة بينها محافظة البصرة التي كانت في منأى عن المعارك، ولم يجد كثيرون منهم غير مجمعات عشوائية للسكن.

وفقا لوزارة التخطيط، يسكن 3.2 مليون نسمة من نساء وأطفال ورجال في حوالي أربعة آلاف مجمع سكني عشوائي موزعة في عموم العراق، ما يعني وجود حوالي عشرة بالمئة تقريبا من سكان البلاد في هذه المجمعات.

ويوجد في محافظة البصرة واحد من كل خمسة من هذه المجمعات العشوائية، لتأتي في المرتبة الثانية بعد محافظة بغداد.

وتخسر ميزانية البصرة، المخصصة وفقا لعدد سكانها اعتمادا على الاحصاء الرسمي، مبلغا يوازي كلفة بناء كل منزل يبنى بشكل عشوائي لأن هذه المجمعات غير مثبتة ضمن المخطط السكاني للمحافظة.

وأشارت الجابري إلى انه في ما يتعلق على سبيل المثال بالضرائب ورسوم المياه والكهرباء “فإنهم لا يدفعون” في المساكن العشوائية مؤكدة ان ذلك يؤثر على “الموازنة الخاصة بالتعليم والصحة وغيرها من الخدمات”.