المساواة تبدأ من بيت الراحة

من المؤسف أن تستمر معاناة النساء من هذا الأمر إلى يومنا هذا وتتاح المراحيض للرجال أكثر مما تتاح للنساء.
الجمعة 2018/08/31
المرحاض.. المكان الوحيد الذي يلجأ إليه الجميع ليستعيدوا معنوياتهم

الكتابة عن دورات المياه لا تبدو بالنسبة إلى الكثيرين فكرة حماسية محبذة، رغم أهمية المرحاض على نحو خاص والحمامات بوجه عام في حياة البشر، فبمجرد أن أخبرت زميلة لي بأنني أنوي كتابة مقال عن هذا الموضوع ضحكت بصوت مرتفع متهكمة وساخرةً من الأمر الذي اعتبرته مقرفا، بل نصحتني بأن أصرف النظر عن ذلك، ولعل ردة فعلها غير مستغربة، فهي ليست من الأشخاص الذين ما زال حلم حياتهم يتمحور حول امتلاك مرحاض خاص بهم.

وقد كشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف عن وجود حوالي 600 مليون شخص في العالم يتشاركون دورات المياه، فيما يقضي 892 مليون شخص حاجتهم في العراء.

موضوع المراحيض ليس مهما بالنسبة إلى أغلبنا ولا يوحي إلا بالجانب القذر من الحاجة البشرية، ومن الأفضل للكثيرين الكتابة عن المشاهير والأثرياء، وتخصيص عناوين عريضة عن السياسيين ورجال الدين، إلا أنهم يرفضون أن يساهموا في نشر الوعي بالحاجة إلى توفير دورات صحية، لمن يعانون من عدم توافر المرافق الصحية الملائمة ومن ضمنها المراحيض.

على الأرجح أن المرحاض لا يعد من الأماكن الرومانسية، ولكنه المكان الوحيد الذي يلجأ إليه الجميع ليستعيدوا معنوياتهم ويشعروا بالراحة التامة بمجرد أن يوصدوا بابه عليهم، يكفي أن نتذكر حالة القلق المستمرة التي قد تنتاب أي شخص بسبب الخوف من عدم القدرة على السيطرة على الحاجة البشرية، وخاصة في ظل عدم توفر مرحاض بالقرب منه. لذلك تصمم دورات المياه بطريقة جميلة وتستخدم فيها أرقى أنواع الرخام لأن الإنسان يقضي فيها وقتا طويلا وبشكل دائم.

ويبدو أن مشكلة عدم وجود المراحيض العامة في معظم الدول العربية ما زالت قائمة، ولعل ما يفسد جمال الكثير من المدن الروائح الكريهة الناجمة عن تبول الرجال في الطرقات والأزقة وعلى الحيطان، ما يثير استياء الزائرين لها وخصوصا السياح. واستحضر هنا دعابة شائعة عن هذا الأمر يرويها التونسيون، تقول ان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عندما زاره أحد المسؤولين الفرنسيين أخذه في رحلة معه إلى عدة مناطق جميلة في تونس، فأبدى المسؤول الفرنسي إعجابه بجمالها، إلا أنه انتقد ظاهرة التبول على الحيطان، ولكن بورقيبة استطاع أن يتخلص من غيظه بالتهكم على المسؤول بعد أن اكتشف خلال زيارته للعاصمة الفرنسية أن ظاهرة التبول على الحيطان موجودة أيضا في باريس، فاغتاظ المسؤول الفرنسي، وحاول بكل الطرق أن يعرف صاحب الفعلة المشينة من أجل مقاضاته، إلا أنه اكتشف أنه سياسي تونسي مقيم في فرنسا!

الرواية السابقة ليست سوى من نسج الخيال للتهكم والفذلكة، إلا أن الموضوع المهم من سردها هو أن الرجال مسموح لهم –اجتماعياً– بالتبول في الشوارع العامة وعلى مرأى من الجميع، في حين ما زالت المراحيض تشكل أسوأ كوابيس اليقظة بالنسبة إلى النساء، وخاصة بالنسبة إلى المسنات اللاتي يعانين من سلس البول أو الحوامل اللاتي لديهن مشكلة فرط نشاط المثانة، وفي الوقت ذاته لا يتجرأن على خلع ملابسهن وقضاء حاجتهن في الشوارع.

ووفقا لتقرير منظمة “ووتر إيد” حول وضع المرحاض في العالم عام 2017، فإن 46 مليون امرأة في إثيوبيا و355 مليون امرأة في الهند لا يتوفر لهن مرحاض آمن.

وفي عام 2014 تعرضت فتاتان من ولاية أوتار براديش الهندية للاغتصاب والقتل عندما ذهبتا لقضاء حاجتهما في العراء، وقد سلط الحادث الضوء على مشكلة نقص المنشآت الصحية العامة للمرأة.

قبل عقود كان عدم توفر مراحيض عمومية تكتيكا ذكوريا مقصودا، هدفه بالأساس إبقاء النساء بعيدا عن الأماكن العامة، وقد حاولت النساء في ذلك الوقت بصبرهن وجلدهن التكيف مع نقص دورات المياه بعدة طرق، ومنها شرب كميات قليلة من المياه وحبس البول لساعات وقضاء وقت أقل في الأماكن العامة. ولكن من المؤسف أن تستمر معاناة النساء من هذا الأمر إلى يومنا هذا وتتاح المراحيض للرجال أكثر مما تتاح للنساء.

21