المسبار باركر يسافر بحلم العلماء للاقتراب من الشمس

الكوكب الحارق مليء بأسرار حان اكتشافها، وسرعة الرحلة تكفي للانتقال من نيويورك إلى طوكيو في دقيقة.
الأربعاء 2018/08/15
السر في درع المركبة الحراري

يثير كوكب الشمس الحارق المليء بالأسرار فضول العلماء والعامة وتأثيره على كوكب الأرض وبقية الكواكب الموجودة في النظام الشمسي، وعمل علماء الفلك والفيزياء لما يفوق النصف قرن حتى تمكنوا من صناعة مركبة فضائية قادرة على مقاومة الحرارة أطلقوا عليها اسم “المسبار باركر” لينطلق في رحلة ضمن الغلاف الجوي للشمس وسيقترب من سطحها لجمع معلومات جديدة عن ظروف الطقس الفضائي وما الذي يسبب الرياح الشمسية، كما سيقوم المسبار باستكشاف هالة الشمس مواجها بذلك ظروفا قاسية من حرارة وإشعاعات شمسية متنوعة.

فلوريدا - منذ ستين عاما، يحلم علماء الفضاء بإرسال مركبة تحلق عبر الهالة الشمسية، لـ“تلامس الشمس”، أو على الأقل تسافر داخل مدار كوكب عطارد، وهو الكوكب الأقرب للشمس، لكن لم يكن ذلك ممكنا قبل تصميم المسبار “باركر سولار بروب” الذي صُنع في الآونة الأخيرة، بفضل التقدّم التقني المستمرّ.

في عام 1958، اكتشف عالم الفيزياء الأميركي يوجين باركر البالغ من العمر اليوم 91 عاما، وجود الرياح الشمسية التي تطلق البلازما والجسيمات من الشمس إلى الفضاء، وعلى الرغم من أن الرياح ثابتة، إلا أن خواصها متغيرة.

وبعد عقود من التخطيط، نجحت وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) في إطلاق مسبار باسم باركر غير مأهول، الذي انطلق الأحد ليكون أكثر من أي مركبة أخرى من صنع البشر مصممة لعبور الغلاف الجوّي للشمس، في مهمة تاريخية من شأنها حماية الأرض من خلال كشف ألغاز العواصف الشمسية الخطرة.

وتأتي هذه الرحلة التي تبلغ تكلفتها 1.5 مليار دولار، أول مهمة رئيسية في إطار برنامج “العيش مع النجوم”، ومن المقرر أن يستخدم المسبار سبع سفن من نوع “فينوس” خلال ما يقرب من سبع سنوات لتقليل مداره حول الشمس بشكل ثابت، وذلك باستخدام أدوات مصممة لتصوير الرياح الشمسية ودراسة المجالات الكهربائية والمغناطيسية والبلازما الإكليلية والجسيمات النشطة.

وتهدف ناسا إلى جمع بيانات حول الأعمال الداخلية للإكليل شديد المغناطيسية، وسيتعين على المسبار البقاء على قيد الحياة في ظروف صعبة تتعلق بالحرارة والإشعاع.

مسار الرحلة

الرغوة الكربونية تحمي المسبار من الاحتراق
الرغوة الكربونية تحمي المسبار من الاحتراق

باركر الشمسي، مركبة آلية بحجم سيارة صغيرة، انطلق من منصة إطلاق في “كيب كانافيرال” بولاية فلوريدا الأميركية، في مهمة تستغرق سبع سنوات. وبحسب وكالة ناسا، نجح الإطلاق الأحد غداة إرجاء العملية إثر مشكلة في ضغط الهيليوم رصدت قبل دقائق من الإقلاع المقرر أساسا السبت.

وقد أبدى عالم الفيزياء الفلكية الشهير يوجين باركر الذي كان أول من طوّر نظرية الرياح الشمسية، إعجابه بهذه المهمة.

وقال “لا يسعني إلا أن أبدي إعجابي، ها قد انطلقنا لنتعلم بعض الأمور خلال السنوات القليلة المقبلة”.

وخلال ثلاثة أشهر فقط، سيصبح المسبار أقرب إلى الشمس من أي مركبة فضائية أطلقت من قبل، وذلك لأخذ أول قياسات مباشرة على الإطلاق للكَمّ الهائل من الطاقة في الشمس.

وبعد ثمانية أسابيع من الإقلاع، ستمر المركبة محلِّقة من أمام كوكب الزهرة، مستخدمة جاذبية الكوكب للإبطاء والتسلل إلى مدار أضيق حول الشمس.

وبعد خمسة أسابيع من ذلك، وفي 3 نوفمبر 2018، سيقترب المسبار للمرة الأولى، ليصبح على بعد أكثر من 24 مليون كيلومتر من سطح الشمس، وهي مسافة تعدّ قريبة جدا من هذا النجم الملتهب الذي يبعد عن الأرض 150 مليون كيلومتر.

من هناك، ستدور المركبة الفضائية حول الشمس، مقتربة أكثر بالتدريج، بينما تمر محلقة من أمام كوكب الزهرة ست مرات أخرى.

وعند وصوله، يدور باركر حول الشمس 24 مرة حتى أواخر عام 2025، بحيث تستغرق كل دورة كاملة 88 يوما، ويمر على مسافة 6.16 مليون كلم من سطح الشمس، أو كما يعرف بـ”الفوتوسفير”.

ومن شأن هذا المسار أن يمنح المركبة الوقت الكافي لجمع المعلومات، كما قال المهندس يانبينغ غو، مصمم المسبار.

ويقول جاستن كاسبر أحد العلماء المسؤولين عن المهمة والأستاذ في جامعة ميشيغن الأميركية “سيساعدنا المسبار باركر على تحسين قدرتنا على توقّع الرياح الشمسية التي تضرب الأرض”.

ويوضح مدير قسم علوم الكواكب في وكالة ناسا جيم غرين من ناحيته “سنبلغ منطقة مثيرة للاهتمام تكون فيها الرياح الشمسية على ما نعتقد، في تسارع”.

ويضيف “سيكون ذلك في المواضع التي نرى فيها حقولا مغناطيسية هائلة ستمر بقربنا عندما ستنطلق المقذوفات الكبيرة المتأتية من الهالة في المجموعة الشمسية”.

مهمات بصدد التحقيق

يوجين باركر: لا يسعني إلا أن أبدي إعجابي، ها قد انطلقنا لنتعلم بعض الأمور خلال السنوات القليلة المقبلة
يوجين باركر: لا يسعني إلا أن أبدي إعجابي، ها قد انطلقنا لنتعلم بعض الأمور خلال السنوات القليلة المقبلة

خطط إرسال مسبار لدراسة الهالة الشمسية تعود إلى ستين عاما، حيث أدرجت ناسا 14 مهمة مختلفة يتعين عليها تحقيقها، بما فيها زيارة جميع كواكب المجموعة الشمسية.

وأنجزت الوكالة جميع البعثات، باستثناء مهمة واحدة، وهي الاقتراب من الشمس دون ذوبان المركبة المرسلة؛ بسبب درجة الحرارة المرتفعة للغاية. وتحدثت نظرية العالم يوجين باركر حول “الرياح الشمسية” عن كيفية إطلاق النجوم للطاقة.

وتنبأ بأن أجواء النجوم، مثل شمسنا، تصبح حارة، لدرجة أنها تتدفق إلى الخارج باستمرار، حيث تتأثر جميع الكواكب المحيطة بها بهذه الجسيمات.

وعارض معظم المجتمع العلمي وجود الرياح الشمسية حتى 1962، عندما غاصت مركبة فضائية تابعة لناسا، تدعى “مارينر 2”، في الفضاء السحيق، وقاست بالفعل من جزيئات الرياح الشمسية لأول مرة.

وفي 1974 انطلق مسبار الفضاء “هيليوس 1”، بتعاون بين “ناسا” وألمانيا، وتبعه “هيليوس 2” الذي حقق أقرب مرور سابق إلى الشمس، حيث وصل في عام 1976 إلى بعد 43 مليون كيلومتر عنها. وتمحورت مهمة المسبارين حول دراسة تأثير الشمس على بيئة الكواكب ومحيطها.

وسجل المسباران رقم سرعة قياسي للأجسام الصناعية الأسرع على الإطلاق بسرعة 252.792 ألف كم/ساعة (70.2 كم/ثانية). كما سجلا الرقم القياسي للنظرة الأقرب إلى الشمس على بعد 45 مليون كيلومتر تقريبا داخل مدار عطارد.

ودار المسباران حول الشمس في شكل بيضوي، وأكملا مهمتهما الأساسية في أوائل ثمانينات القرن الماضي، لكنهما واصلا إرسال البيانات حتى 1985.

وفي 2016، أطلقت “ناسا” سفينة فضاء في رحلة “ستيريو” التي تدرس الشمس. وهدفت المهمة إلى معرفة درجة الأضرار التي تسببها “التسوناميات الشمسية” على الأرض، وهي انفجارات قوية للغاية، تبث أشعة كونية شمسية، من شأنها أن تدخل الغلاف الجوي الأرضي.

وأكد الخبراء أن هذه الأشعة تسبب مشاكل تقنية كبيرة، مثل انقطاعات في تيار الكهرباء وتشويشات في الاتصالات الجوية، وتؤثر على شبكات الهواتف المحمولة وقد تشكل خطرا على الرحلات إلى الفضاء وروادها.

وأفادت “ناسا” بأن الصور التي التقطتها السفينة مكنت العلماء من رؤية التسوناميات الشمسية بشكل ثلاثي الأبعاد، ومن ثم بات بإمكانهم معرفة سرعاتها وكتلها واتجاهاتها.

تغلبت “ناسا” على مشاكل كانت تعيق إرسال مسبار يقترب من الشمس بصورة أكبر بسبب حرارتها الهائلة، حيث استغرق العمل على تجهيز مهمة باركر ستين عاما منذ الإعلان عن خطط أولية لإرسال مسبار نحو الشمس.

ويهدف المسبار إلى الانغماس مباشرة في الغلاف الجوي الخارجي للشمس، أو ما يعرف بهالة “إكليل” الشمس، ومن المتوقع أن تصل درجة الحرارة على الدرع الواقي للمسبار حوالي 1300 درجة مئوية.

ويحمل باركر أدوات مصممة لتقيس مستوى الجزيئات ذات الطاقة العالية والتقلبات المغناطيسية وتحسّن الفهم لهالة الشمس التي تشكل “بيئة غريبة جدا غير مألوفة لنا”.

ويحمي الأدوات درع حراري، عرضه 2.4 متر، ومصنوع من رغوة كربونية سمكها 11 سنتيمترا، محصورة بين طبقتين من مركب كربوني، ويمكنها تحمل درجات حرارة تقترب من 1400 درجة مئوية.

وفي ظلّ هذا اللهيب الحارق، لن تزيد الحرارة داخل المسبار عن 29 درجة. وستظل الألواح الشمسية، التي تشغل المركبة الفضائية مبردة، من خلال نظام أنابيب المياه المماثل لمبرد محرك السيارة.

وفي أثناء السخونة الحارقة، إثر الاقتراب من الشمس، ستُثنى غالبية الألواح الشمسية عائدة إلى المبيت في ظل الدرع الحراري.

وسيقترب المسبار من الشمس مسافة 6.16 مليون كيلومتر، وهي مسافة أقرب بكثير من أي مسبار آخر اقترب سابقا مسافة 45 مليون كيلومتر من الشمس. ومن المقرر أن يصبح المسبار أسرع شيء يتحرك صنعه البشر في التاريخ، إذ ستتجاوز سرعته 190 كم/ثانية.

وحين يقترب باركر من الشمس، ستكون سرعته عالية جدا، وهي سرعة تكفي للانتقال من نيويورك إلى طوكيو بدقيقة واحدة.

أسئلة حارقة

العالم مشدود لرحلة باركر
العالم مشدود لرحلة باركر

المسبار باركر يهدف إلى الإجابة عن بعض أكبر الأسئلة البارزة حول الشمس، مثل كيفية تسخين الهالة حولها إلى الملايين من الدرجات، فيما يبقى السطح تحتها باردا نسبيا. ويقول رئيس هيئة إدارة المهمات العلمية في وكالة ناسا توماس زوربوشن  "إن المسبار باركر بطل مذهل لمجتمعنا العلمي".

وتشير نيكي فوكس الباحثة في جامعة جونز هوبكينز والمسؤولة العلمية إلى أن “الشمس ملأى بالأسرار، نحن جاهزون، ونعرف ما هي الأسئلة التي نبحث عن إجابات لها”، مضيفة “لقد درسنا الشمس لعقود، والآن سنذهب إلى حيث يكون العمل”.

وستزور المركبة الفضائية محل نشوء الرياح الشمسية، التي هي فيض من الجسيمات النشطة تنساب إلى النظام الشمسي بسرعات تصل إلى 800 كيلومتر في الثانية. ومتى تصطدم الرياح الشمسية بالأرض فإنها تولد شفقا قطبيا جميلا، غير أنها قد تؤدي أيضا إلى تعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة.

ومن شأن البيانات المأمول أخذها من هذا المسبار، الذي يغوص في الأعماق، أن تساعد الباحثين على تعزيز فهمهم للصورة المعقدة لكيفية تجميع الجسيمات والمجالات المغناطيسية والطاقة في الشمس. ويأمل علماء البعثة أن يسهم باركر في إطلاق حقبة جديدة من دراسات الشمس.

وتخطط وكالة الفضاء الأوروبية لإطلاق مركبتها الفضائية “سولار أوربيتر” عام 2020، لدراسة الشمس عند خطوط العرض الأعلى، ومن نقطة أبعد في الفضاء مما سيفعله المسبار “باركر”.

وبحلول 2020 كذلك، سيبدأ تليسكوب “دانيال كيه. إينوي” الشمسي، في هاواي العمل على إنشاء خرائط يومية للهالة الشمسية.

20