"المسبار 9".. قصة حب تفضح جرائم استنساخ البشر

ظلت الكائنات الافتراضية التي من الممكن أن تجمع خواصَّ تتفوق فيها على بني البشر موضوعا مثيرا سواء في أدب أو سينما الخيال العلمي، ففضلا عن إدماج الخواص الروبوتية في الإنسان للوصول إلى مهارات عالية وقدرات خارقة ضمن سلسلة أفلام من هذا النوع، فإن المستنسخين من الكائنات صاروا موضوعا أكثر إثارة و تداولا في العديد من الأفلام السينمائية.
الاثنين 2017/08/28
حيرة الاكتشاف

يأتي الفيلم الإسباني “المسبار 9” للمخرج حاتم خريش ليضاف إلى سلسلة أفلام الخيال العلمي التي تتمحور حول الكائنات المستنسخة ذات القوى الخارقة، كفيلم “العامل الخامس” (إنتاج 1997)، وفيلم “العدو” ضمن سلسلة أفلام “ستارتريك” (2002)، وفيلم “الجزيرة” (2005)، وفيلم “القمر” (2009)، وفيلم “متسابق المتاهة”(2011)، وسلسلة أفلام “الرجال اكس” التي بدأت في العام 2000، وصولا إلى فيلم “لوغان” (2017).

وفي المقابل، أتى فيلم “المسبار 9” (إنتاج 2017) مخالفا لكل ما سبق، من خلال مقاربة امتزج فيها الخيال العلمي بالرومانسية في الواقع، ولم يسرف خريش كثيرا في مرافقة الكائنات المستنسخة وهي تؤدي مهامها الاستثنائية بعيدا عن الأرض.

وتنطلق ثيمة الفيلم من وجود مؤسسة سرية برعاية حكومية تجري تجارب وأبحاثا مستقبلية على كائنات بشرية تم تهجينها، أو يتم أخذها منذ الولادة إلى أكثر من مسبار فضائي، وهذا ما يتم إيهام الجميع به، أما الحقيقة فهي أن المسبار جاثم على الأرض والكائنات معزولة عما حولها منذ البداية حتى فنائها، وخلال ذلك تجرى التجارب عليها، ولكن من دون أن تشعر ويجري فحص المتغيرات التي تطرأ عليها بشكل مستمر.

ويركز الفيلم على نموذج من تلك الشخصيات المستنسخة أو المهجنة من خلال هيلينا (الممثلة كلارا لاغو) التي يتم انتزاعها من والديها، وواقعيا هما من يقومان بالتضحية بها، وذلك بزعم مؤسسة الأبحاث أن في تطوع هيلينا إنقاذا للبشرية، وذلك بإرسالها إلى الفضاء الخارجي لأن لديها مواصفات خاصة.

المخرج حاتم خريش يقدم مقاربة سينمائية يمزج فيها الخيال العلمي بالرومانسية في الواقع دون مبالغات ولا ضجيج

وخلال الإقامة الطويلة لهيلينا في المسبار وحيدة، وهي تؤدي مهمات روتينية يومية، يقع خلل تقني في المسبار، فترسل المؤسسة المهندس أليكس (الممثل أليكس غونزاليز) لإصلاح الخلل، وهنا تكتشف هيلينا للمرة الأولى معنى وجود كائن بشري من جنس مختلف قريبا منها، ولهذا تندفع أكثر في الحوار والتفاعل معه، فيما سيحمل هو ذكرى مأساوية عن كائنات يعلم أسرارها، وأنها ضحية تلك الأبحاث من خلال خديعة كبرى ليتطور إحساسه بهيلينا إلى دافعين هما عاطفي وإنساني يدفعانه إلى إنقاذها متحديا مخاطر جمّة، كما يطلعها على حقيقة ما جرى عليها.

تتصاعد الدراما الفيلمية ابتداء من نقطة التحوّل هذه، وكان المخرج واعيا جدا كما يبدو بالهبوط الحاد في الإيقاع الفيلمي في القسم الأول منه، أي ما قبل إنقاذ هيلينا، إذ تتحول القصة إلى مطاردة بوليسية في مقابل علاقة حب عميقة تربط بين الاثنين.

وتتداخل خطوط السرد بشكل مفاجئ مع عودة هيلينا إلى والديها وإخفاء أليكس حقيقة تهريبها ودخول العالمة سيلفيا (الممثلة بيلين رودا) على خط الدراما وتواطئها مع أليكس وهيلينا إلى درجة تضحيتها بحياتها، وكل تلك الشخصيات سوف تحتشد في مواجهة هوغو (الممثل أندرياس بارا)، وهو رئيس فريق الأبحاث الذي لا يتورع عن القتل بدم بارد إذا اقتضى الأمر.

وتتواصل المطاردة، وانكشاف أمر تهريب هيلينا يتحول إلى قضية وشغل شاغل لهوغو وفريقه الأمني، وتنتهي المطاردة بالقبض على هيلينا، وأنها لم تعد لها جدوى لأنها خرقت نظام المراقبة والتجارب التي كانت تجرى عليها، وخلال ذلك وقبله كانت هيلينا تعيش صراعا نفسيا لم تألفه ولم تعشه من قبل بسبب خيانة والدها لها وتفريطه فيها ومعرفة أليكس بالتجارب التي تجرى عليها منذ زمن، ولكن من دون أن يفعل شيئا لإنقاذها وهو خط درامي وسردي بالغ الأهمية والإتقان في هذا الفيلم.

في المقابل، نجد أن ثيمة الحب الذي ارتبطت به الشخصيتان تم نسجها بعناية وبلا ضجيج، ولفت النظرَ الأداءُ المعبر والعميق لأليكس وتفاعله الصامت مع العديد من المواقف وردود فعله إزاءها.

واعتمد الفيلم حلولا سينوغرافية متقنة وبناءً مميزا للمناظر تكامل مع الأحداث، وقدم حصيلة بصرية وموضوعا ناضجا ومتميزا يحسب للمخرج وفريقه، إذ نجحوا فضلا عن ذلك في إدماج قصة الخيال العلمي في خط واقعي رومانسي ما جعل الشخصيات قادرة على التأثير وجذب المشاهد.

من جهة أخرى حفل الفيلم بتنوع مكاني ملفت، فمثلا من جماليات المعالجة المكانية مشاهد اللحظات الأولى لاكتشاف هيلينا الطبيعة التي لم ترها من قبل قط، وحيرتها من ملمس الأشجار ومنظر الطيور وما إلى ذلك، يضاف إليها البناء المكاني لمؤسسة الأبحاث، ما يوحي بأنك في زمن مستقبلي فعلا، حيث استخدم المخرج الديكور والألوان والإضاءة بعناية لإبراز جماليات المكان بشكل متقن.

فيلم “المسبار 9” يقدم نوعا مميزا مختلفا من أفلام الخيال العلمي غير المغرقة في الافتراضات الخيالية، إذ بمقدار الغوص في المستقبل وما فيه هنالك عودة إلى الحياة الواقعية، حيث طبيعة النفس البشرية العدوانية ما زالت تفعل فعلها.

16