المستبد العادل.. يدوم استبداده وينقطع عدله

تحضر ذكرى هزيمة 1967 مقترنة بالاستبداد، نتيجة مؤكدة لغياب الديمقراطية، في تبسيط ساذج لا يختلف عن ربط المشايخ تخلّف المسلمين جزاء وفاقا لعدم تطبيق الشريعة بمعنى الحدود، واعتبار أمراض المسلم ابتلاء وتكفيرا عن ذنوبه.
الثلاثاء 2019/06/18
هزيمة 67

تحضر ذكرى جمال عبدالناصر هدفا مناسبا لتوجيه اللعنات وتشويه السيرة والمسيرة، في الفصول الأربعة. في الشتاء حيث وُلد في يناير 1918، وفي الربيع بمناسبة هزيمة يونيو 1967، وفي الصيف مع تجديد ذكرى تأميم قناة السويس في يوليو 1956، وفي الخريف حيث توفي في سبتمبر 1970. استهداف ثأري شارك فيه مأزومون من رفاق عبدالناصر، ومن دون ترتيب تحالف معهم غير مصريين من أعداء تجربة عبدالناصر وما يمثله من قيم إنسانية. والأجدر بالنقاش والانتقاد، بدلا من لغو متجدد تصاحبه قنابل دخان لا يحجب قامة عبدالناصر، هو نقض نظرية “المستبد العادل” التي كان الرجل أبرز تمثيلاتها، بصورة ربما تمناها الإمام محمد عبده، حين أطلق هذا المصطلح في نهايات القرن التاسع عشر.

تحضر ذكرى هزيمة 1967 مقترنة بالاستبداد، نتيجة مؤكدة لغياب الديمقراطية، في تبسيط ساذج لا يختلف عن ربط المشايخ تخلّف المسلمين جزاء وفاقا لعدم تطبيق الشريعة بمعنى الحدود، واعتبار أمراض المسلم ابتلاء وتكفيرا عن ذنوبه، ولا يتساءلون بأي ذنب يصيب السرطان طفلا رضيعا؟ ويسهل رصد جانب من هذا التبسيط الدعوي لدى محمد الغزالي في كتابه “هموم داعية” إذ يتساءل “وهل انتشرت الشيوعية إلا مع هذه الخلخلة التي أحدثها العصيان لأوامر الله، واعتداء حدوده؟!”، وفي كتابه “الإسلام والمناهج الاشتراكية” يقول بيقين إن الحضارة الأوروبية “هي والشيوعية صنوان في الكفر والإلحاد!”. ويزايد عليه عبدالقادر أحمد عطا في كتاب “هذا حلال.. وهذا حرام” بتحريم الحلال، وأن “زواج المسلم بالشيوعية، والشيوعي بالمسلمة حرام بالإجماع″، ولا تسأل عن أي إجماع ولا متى؟ وصرح متولي الشعراوي للتلفزيون المصري في ثمانينات القرن العشرين بأنه علم بهزيمة 1967، وهو في الجزائر، فسجد لله شكرا “فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية، لأصبنا بفتنة في ديننا”.

إرجاع الهزيمة إلى الاستبداد اختزال مخلّ بالرؤية، يريح الباحث ويغنيه عن قراءة تفاصيل المشهد الدولي، وإصرار القوى الكبرى على إجهاض مشروع عبدالناصر، بالتحالف أو بضمان صمت قوى إقليمية وعربية،. لا يرتبط النصر بالإيمان والتقوى، ولا علاقة للهزيمة بالاستبداد. والزاعمون بالليبرالية المصرية يتجاهلون هزيمة الجيش المصري والجيوش العربية عام 1948، قبل دكتاتورية عبدالناصر. وفي الحرب العالمية الثانية استطاعت قوات أدولف هتلر اجتياح باريس وقصف لندن، ولم ينقذ عاصمتيْ التنوير والديمقراطية إلا تدخل الجيش السوفييتي الذي مكّن صموده لقوات الحلفاء أن تنتصر، وكان ستالين عنوانا للاستبداد، ولا يقلّ دوره في حسم الحرب عن دور الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت. ولم ينتصر شارل ديغول لأنه يتمتع بشيء من العدل، فقد خذل الجزائريين، بعد مشاركة الآلاف منهم في الدفاع عن فرنسا، ورفض منحهم الاستقلال الذي وعدهم به، فانتفضوا في مظاهرات سلمية، واجهها جيش الاستعمار الفرنسي بمذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف في قسنطينة وقالمة وسطيف.

لنعد إلى جذور نظرية المستبد العادل، ففي 1 مايو 1899 نشرت مجلة “الجامعة العثمانية” للإمام محمد عبده مقالا عنوانه “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”. وفي مجلد “الكتابات السياسية” ضمن الأعمال الكاملة للإمام أوضح الدكتور محمد عمارة في الهامش أنه أرسل هذا الرأي، تعليقا على مقال نشرته المجلة بعنوان “الإخاء والحرية”، وطلب من المجلة “أن تذكر في مقدمته أنه من كلامه القديم وليس رأيا معاصرا حديث الإنشاء”، وأن رئيس التحرير فرح أنطون الذي كان يصدر المجلة من الإسكندرية ذكر في مقدمة هذا الرأي أنه “كلام هو السحر الحلال، قاله منذ سنوات خلت حضرة الحكيم الكامل والأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبده وبعث به إلينا اليوم”.

ومن حسن الحظ أن يتيح أرشيف المجلات الأدبية والثقافية العربية هذا التراث. وكان مقال “الإخاء والحرية”، المنشور في عدد 15 أبريل 1899، يتضمن أفكارا عن مبادئ مقترحة لنهضة الشرق، ويحذر من إدخال الحرية السياسية، مفضلا البدء بتبني روح الشرائع، وغرس حب الوطن والمبادئ الوطنية في النفوس، وتدريبها على قيمة الإخاء، “فالإخاء قوة الجذب والحرية قوة الدفع فدخول الإخاء إلى الشرق مقدم على دخول الحرية”.

المستبد العادل في رأي الشيخ محمد عبده “يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه… فهو لهم أكثر مما هو لنفسه”. وبهذا رسم صورة لمستبد مثاليّ، ولعله استلهمها مما كان عليه عمر بن الخطاب من بأس وعدل وزهد. ولكن الصفات الثلاث مرهونة بشخص الحاكم، وتناسب مجتمعات قبلية بسيطة تحكم بالرهبة والرغبة، وأما الدولة فتحكمها قوة القانون، فلا يضطر حاكم إلى التلويح بالرهبة. وفي وقت قياسي انهار ما كان يجسده عمر بن الخطاب، وبدأ الخضوع لسلطان أولي القربى في عهد عثمان بن عفان، كما انحرف أنور السادات عن مشروع عبدالناصر الذي لم يرسخ امتداده بإقامة نظام مؤسسي، فانقطع بموته العدل الاجتماعي، واستمر الاستبداد الذي ورثه خلَف أقل نزاهة وزهدا.

المستبد العادل، وفقا للشيخ محمد عبده، مقيّد بفترة زمنية تكفي لنمو وعي الشعب، وقدّرها بخمس عشرة سنة، “يولد فيها الفكر الصالح وينمو تحت رعاية الوالي الصالح… خمس عشرة سنة تحشد له جمهورا عظيما من أعوان الإصلاح، من صالحين كانوا ينتظرونه، وناشئين شبّوا وهم ينظرونه، وآخرين رهبوه فاتبعوه، وغيرهم رغبوا في فضله فجاروه”.

كرر الشيخ خمس عشرة سنة عدة مرات، أملا في أن يتحقق خلالها شيء من الرشد يسمح بتشكيل المجالس البلدية، ثم المجالس النيابية. وختم مقاله بسؤال أقرب إلى الرجاء “هل يعدم الشرق كله مستبدا من أهله، عادلا في قومه، يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا؟”.

وقد استمر حكم عبدالناصر ست عشرة سنة، وتوفي وسيناء تحت الاحتلال. وليس الأسى على وقوع هزيمة؛ ففي الحروب طويلة المدى لا تكون خسارة معركة عارا ما دمتَ تقاوم، ولم تتواطأ مع عدوك على شعبك. ولكن الكارثة في الرهان على سلوك شخصي لا يغني عن بنية مؤسسية أكبر من الأفراد، فلا يكفي توارث الزهو بتقشّف مستبدّ عادل، يستبد حتى بعدله فيأخذه معه، ويترك مؤسسة الاستبداد.

9