المستخدمون "حقل تجارب" فيسبوك وأشياء أخرى

السبت 2014/07/12
فيسبوك لا تطلب الإذن قبل إجراء اختباراتها

لندن - هناك فرضية تقول إن آخر فضيحة لفيسبوك تلاعبت فيها بمشاعر المستخدمين هي عبارة عن جلبة كبيرة حول لا شيء، خاصة وأن المستخدمين “فئران تجارب” في كثير من الدراسات وكثيرا ما تلاعبوا بهم في وسائل الإعلام وفي الإعلانات التجارية وحتى في السياسة.

إلى أي مدى تهتم شركة فيسبوك بمشاعركم؟ الإجابة متروكة لكم، لأن أكبر شبكة اجتماعية في العالم قد خانت ثقة الجميع، من خلال التلاعب سرّاً بمشاعر 700 ألف مُستخدم من أجل إجراء دراسة “العدوى العاطفية” لديهم.

بدأت القصة في عام 2012، حيث قامت شركة فيسبوك لمدة أسبوع كامل، ودون إعطاء المستخدمين أي تحديث أو الحصول على موافقتهم، بالتلاعب بالخوارزميات المُستخدمة على شبكتها الاجتماعية لوضع مُشاركات في صفحة آخر الأخبار، لمعرفة مدى تأثيرها على مزاج المستخدمين.

ووصل الأمر إلى فحص الشبكة الاجتماعية لعدد الكلمات الإيجابية والسلبية في رسائل المستخدمين، وحاولت معرفة ما إذا كانوا تأثروا بأي شكل من الأشكال من تلك المُشاركات والمنشورات الموضوعة لهدف تلك الدراسة.

أجرت شركة فيسبوك هذه الدراسة باستخدام باحثين من جامعة كورنيل وجامعة كاليفورنيا-سان فرانسيسكو.

وبالرغم من الكشف عنها بشكلٍ عام قبل بضعة أسابيع، إلا أنها أثارت الجدل نهاية الأسبوع الماضي فقط.

وذكرت الدراسة أن “المشاعر والعواطف يُمكنها أن تنتقل بين المُستخدمين، مما يؤدي إلى تجربة نفس المشاعر بين الجميع دون أن يعوا ذلك، هذه هي العدوى العاطفية”.

وتوضح نتيجة الدراسة أن المشاعر التي أعْرَبَ عنها البعض على فيسبوك تؤثِّر على عواطفنا، إلى أن يصل نفس هذا التأثير، مثل العدوى، إلى جميع مُستخدمي الشبكة الاجتماعية دون أن يُدركوا ذلك.

بالتأكيد أن مثل هذه الدراسات ليست مألوفة تمامًا لدينا، لكن هذه المرة الأمور زادت عن الحد، فالتلاعب بالبيانات لمعرفة ما إذا كان هناك أي رد فعل، هو أمر يجعلنا نُعيد النظر أكثر من مرة – أرجّح مليون مرة!- في شبكة اجتماعية يثق الناس في طرح بياناتهم وأفكارهم بها.

كانت هناك بالطبع العديد والعديد من ردود الفعل السيئة لدى المُستخدِمين خلال الساعات القليلة الماضية، نظرًا إلى حقيقة عدم وجود أي مستخدم أعطى فيسبوك الحق والإذن للقيام بأي مُمَارسة من هذا النوع، أو المُشاركة في دراسة من هذا القبيل.

في حين قال الباحثون إن الدراسة كانت باتفاق مع فيسبوك بما يتناسب مع شروط الخصوصية وسياسة الاستخدام، التي بالطبع وافق عليها جميع المستخدمين(1.2 مليار مستخدم)، دون قراءة لتلك الشروط عند إنشاء حساب جديد على الشبكة الاجتماعية. هناك حجة تقول إن آخر فضيحة لفيسبوك هي عبارة عن جلبة كبيرة حول لا شيء.

دافعت فيسبوك عن نفسها أمام الجميع، مُعتبرة أن المقصد من هذا البحث هو تحسين الخدمة وتقديم محتوى من شأنه أن يكون اجتماعيا وفعَّالا بصورةٍ أفضل. لكن هل هذه الثرثرة تمنح شركة فيسبوك الحق بما قامت به؟

في الوقت نفسه، هَدَّدَ العديد من المستخدمين بترك الشبكة الاجتماعية في أعقاب هذه الفضيحة، لكن كم سيكون عدد هؤلاء يا تُرَى؟ أتذكر أننا سمعنا نفس العبارات الساخطة والتهديدات الصارخة عند فضيحة وكالة الأمن القومي وتسريب البيانات على فيسبوك وغيرها مثل غوغل وياهو وأبل ومايكروسوفت وغيرها الكثير.

قليلون فقط من كانوا صادقين في تهديدهم، وقليلون فقط هم من غادروا فيسبوك بلا عودة.

إذا فنحن المنتج الذي كانت فيسبوك تقوم بإجراء التجارب عليه. من خلال هذا الخطأ، قام علماء البيانات في فيسبوك بلفت الانتباه إلى أمرين ربما كان معظمنا يدركهما بصورة غامضة، لكن لم نفكر فيهما كثيرا.

الأول، أن فيسبوك لا تشعر بالحاجة إلى طلب الإذن قبل إجراء اختباراتها. ذلك أن شروط استخدامها، وهي النص الطويل الذي يقوم معظمنا بتصفّحه بسرعة للضغط على كلمة “نعم” الموجودة في نهاية النص ومن ثمة المواصلة، تتضمن إشارة إلى استخدام البيانات “لتحسين” المنتج.

ويصف إدوار فيلتن، وهو أستاذ لعلم الحاسوب والعلاقات العامة في جامعة برينستون، شروط استخدام فيسبوك بأنها “خيال قانوني للموافقة” في المصطلحات الأكاديمية.

الأمر الثاني، هو أن موقع فيسبوك يتمتع بنفوذ قوي على سلوك المستخدمين. هذا جزئيا نتيجة حجمه الكبير.

رُبما هي بضعة أسابيع أخرى، قبل أن ننسى تلاعب موقع فيسبوك بنا، ويعود الجميع إلى استخدامه دون أي ضَجَر قطّ.

الذي أراه مثيرًا للاهتمام والسخرية في نفس الوقت، أنه رغم هذا القدر من سوء ما حدث، فقد كانت ردود أفعال الناس أقل من المتوقع، في حين توجد هناك حالات أخرى كثيرة من التلاعُبِ بالمشاعر في هذا اليوم وهذا العصر!

1.2 مليار مستخدم على الموقع يقضي الواحد منهم ما معدله 17 دقيقة يوميا. وبمقاطعة فيسبوك 99 يوما يمكن أن يستفيد الإنسان من الوقت في عمل آخر أكثر إنتاجية


99 يوما من الحرية


بعد الدراسة المثيرة للجدل، قررت مجموعة من الناشطين أن تلقن الموقع درسا بإطلاق حملة لمقاطعة فيسبوك لمدة 99 يوما، وأن يختبروا مستوى سعادتهم في النهاية.

الحملة التي تُدعى “99 يوما من الحرية"، هي مبادرة لا ربحية من مجموعة هولندية، وتطلب من المستخدمين مقاطعة فيسبوك لمدة 99 يوما، ثم إجراء استطلاع بهوية مجهولة لدراسة تأثير فيسبوك على سعادتهم، في اليوم الـ33 والـ66 والـ99.

ووفقا لفيسبوك نفسه فإن هناك 1.2 مليار مستخدم على الموقع، يقضي الواحد منهم ما معدله 17 دقيقة يوميا متجولا بين صفحات أصدقائه. وبمقاطعته 99 يوما، يمكن أن يستفيد الإنسان من 28 ساعة في عمل أكثر إنتاجية وتعلم مهارات جديدة، وفقا لما أكدته الحملة في بيان صحفي.

وتطلب الحملة من المشاركين أن يرفعوا صورة كتب عليها “في إجازة” time-off كصورة رسمية في حساباتهم الخاصة.

فهناك من ينشر صورك من غير علمك أو موافقتك وتحصل هناك شجارات مع مستخدمين آخرين، وهناك من يجد نفسه نادما على الأوقات الطويلة التي أضاعها على الموقع في حين كان عليه القيام بأشياء أهم، كما يقول ميرين ستراتوف، المدير الفني لشركة “جست بي في” Just BV التي أطلقت الحملة.

ومع أن ستراتوف وزملاءه متحمسون لمعرفة نتائج الحملة ولدراسة تأثير فيسبوك على السعادة، إلا أنه يؤكد أن المبادرة ليست معادية لموقع فيسبوك ولا تقصد الإضرار به. ويقول في البيان “فيسبوك شبكة مذهلة، فنحن جميعا مستخدمون لدينا ولاء قوي لها ونعتقد أن هناك الكثير مما نحب في الخدمة، إلا أننا نشعر أيضا أن هناك فوائد عاطفية للاعتدال. نحن نتوقع أن التجربة سوف تثمر الكثير من التجارب الشخصية الإيجابية، وبعد 99 يوما سوف نعرف إن كان لهذه النظرية ما يؤكدها”.

وقد أجريت العديد من الدراسات على تأثير فيسبوك على سعادة المستخدمين وجاءت بنتائج متضاربة.

ففي حين أشارت دراسة أجريت في جامعة ميشغن ونشرت في مجلة PLOS One إلى أن استخدام فيسبوك مرتبط بزيادة الحزن وقلة الرضى عن الحياة، أظهرت دراسة أخرى أجرتها جامعة هومبولدت وجامعة التكنولوجيا في دارمستادت (ألمانيا) أن استخدام فيسبوك يثير مشاعر الغيرة والحسد والوحدة. هذا ووجدت دراسة أجريت في الجامعة الأميركية في واشنطن ارتباطا بين استخدام فيسبوك واضطرابات الأكل لدى البنات.

إلا أن دراسة أخرى أجريت في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وجدت أن استخدام فيسبوك قد يجعلنا أسعد في الواقع، إذ أن المشاعر معدية على الموقع سواء كانت إيجابية أو سلبية.

فيسبوك يتلاعب بنا إضافة إلى آخرين، وإليكم ثلاثة أمثلة للتلاعب بمشاعركم بصورةٍ يومية، ولا أحد يشكو، وإن شَكَا منه أحدهم، ربما يكون السبب أن من تلاعب به أراد ذلك.


التلاعب الإعلامي على الإنترنت


أراكم تعتقدون أن وسائل الإعلام، أو بعضها، هي موثوقة وجديرة بالثقة، لكن الجزء الأكبر من هذه الأخبار غير صحيح، حتى وإن تمَّت هذه الأخبار بالفعل، فالأمر ليس كما تتوقّعون

تُشكِّلُ وسائل الإعلام الآن كل شيء تقريبًا، حيث نقرؤها، ونسمعها، ونُشاهدها. ببساطة شديدة، أصبحت الأخبار تحتوي على كثيرٍ من المُبالغة والتهويل أو التقليل من الشأن والتبسيط على حدٍّ سواء. وفي الحالات الأكثر تَطرُّفَا، يتم التشويه والتلفيق. المُستخدِمون لا يهتمُّون ما إذا كانت الأخبار صحيحة أم لا، هل هي ذات جودة أم لا، فقط ضع إحدى الشائعات، وعنوانا جذَّابا، والكل سيدخُل إلى الخبر، سواء كان لمجرد الفضول أو بسبب تخدير العنوان للمخ بسبب نقص المعلومات الحقيقية عن ذلك الخبر، لا يهم أيهما يأتي أولًا.

ويبدو لي، أنه لسببٍ ما، تحوَّلَت وسائل الإعلام من كونها وسيلة لإيصال المعلومات للجمهور، إلى وسيلة من وسائل الترفيه. وأفضل وسائل الترفيه، هي ما تكون وراءها مجموعة ما أو جماعة ما تبذل المزيد من الأموال للحفاظ على استمرار غلق هذه الدائرة بإحكام على عقول جمهورها.

لا أحد يشكو من التلاعب وإن شكا منه أحدهم ربما يكون السبــب أن من تلاعــب به أراد ذلـك


التلاعب التسويقي


إذا كنتم تعتقدون أن الإعلانات هدفها الترويج لـ(المنتجات-السلع-الخدمات) المعروضة للشراء، فأنتم مخطئون خطأ فادحًا حيال ذلك.

باختصار: كل الأشياء التي يتم الإعلان عنها في المجلات والصحف وعلى شاشة التلفاز، مع اختلاف أنواعها وشرائحها، إلا أن المنهج المُتَّبع واحد، وما يتم التلاعب عليه هو أمر واحد، والمُستهدف هو شخص واحد: أنت.

الناس لا يرغبون في امتلاك شيء واحد أو اثنين أو أكثر، وذلك حتى يشعروا بالرضى عن أنفسهم، والفخر عند التحدث عما يملكونه مع الآخرين.

يقول أحدهم "تلعب الإعلانات إمَّا على رغبة موجودة أو مفقودة، ثم التركيز عليها للتأثير على عقلك الباطن، حتى تظن أن العلكة ستجعل منك شخصًا محبوبًا للجميع، أو أن معجون الأسنان سيجعل منكَ إنسانًا جذَّابًا للنساء، وأن لون بشرتكِ رديء طالما لا تستخدمين كريم التفتيح، وأنك دون استخدام الشامبو فأنت لا تثق في نفسك، وأن السمراء ستصبح شقراء، والسمينة ستصبح نحيفة، وأن هذا الجل سيجعل منكَ مشهورًا، ومسحوق الغسيل سيمنحك حياة زوجية سعيدة، وأن جميع النساء فاتنات متبرجات، وأن جميع الرجال حتى النحيف منهم لديهم عضلات أسفل ملابسهم… الخ”. التسويق أمر ضروري لتعزيز الأعمال التجارية، لكن علينا التفرقة بين ما يحترم العقول، وبين من يتلاعب بنا، فالحملات التسويقية ربما لا تكون من أجل منتج يُباع وحسب، بل وهناك ما هو من أجل تغيير أنماط التفكير والعقول. فانتبهوا.


التلاعب السياسي


أن أقنعك بالقيام بما أريده منك دون أن أطلبه منك. هذا هو التلاعب السياسي باختصار!

مثال على ذلك، اعترفت الحكومة الأميركية أنها هي من تسببت في الثورات العربية، وبالرغم من ذلك، لا يزال هناك من يقول إنه هو من قام بالثورة دون أن يفرض عليه أحد القيام بذلك ودون توجُّه معين. هذا هو التلاعب السياسي.

أنت من تدور حوله الدوائر، وبعد التلاعب بك وبمشاعرك على وتر الفقر، وقلة الرخاء، والظلم، والفساد، وأنه في عام كذا سينضب البترول، وفي عام كذا سنعيش في وحل الفقر، والترويج للتهديدات، ينتظرون منك وحدك رد الفعل وكأنه نابع من شخصك.


المصادر:

عالم التقنية

99daysoffreedom

مجلة PLOS One

18