المستفيدون من التوتر

الاثنين 2013/10/28

لا أحد ينكر أن حكومة حازم الببلاوي في مصر تبذل جهودا مضنية لتحقيق قدر من الهدوء الأمني، والاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي، لكن أيضا لا أحد ينكر أنها فشلت في الوصول إلى نتيجة مرضية في الملفات الحيوية الثلاثة. حتى شعر كثيرون أن هناك من يرضيه، في دوائر الحكم والمعارضة ومن يقفون بينهما، الدوران في فلك التوتر، الذي أصبح هدفا لجهات متعددة، تعمل على إيجاده وتسعى إلى تغذيته وتحاول بكل أدواتها توسيع نطاقه، لأنه يحقق لها جملة من الأغراض الآنية والمستقبلية.

لست من مدمني الفوازير ولا من هواة الألغاز السياسية، فالسطور التالية ستكشف عن جوانب كثيرة بدت غامضة في المقدمة السابقة. فالحكومة التي تعمل وسط ظروف قاسية على الأصعدة المختلفة، أخفقت في نظر كثير من المواطنين في تلبية تطلعاتهم الذين حلموا بها بعد سقوط حكم الإخوان، وفشل رئيسها وغالبية أعضائها في إقناع الناس بالرضا على أدائها، وجدت فائدة في التوتر الحاصل في الشارع، والذي تتسبب في معظمه جماعة الإخوان المسلمين، بمظاهراتها المختلفة في عدد من المحافظات والجامعات، وأعمال العنف والإرهاب التي تمارسها حركات محسوبة عليها داخل سيناء وخارجها.

كما أن انسداد قنوات المصالحة السياسية ساهم في تعظيم فوائد التوتر، حيث منحت هذه المحددات الحكومة فرصة تبرير عدم تحقيق معدلات عالية من الإنجازات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وأعطتها ورقة رابحة لتفسير تقاعسها عن تغيير حياة طبقة عريضة من الناس، راودها أمل باحتمال إصلاح أحوالها عقب سقوط الإخوان.

إذا كانت الحكومة المصرية بأكملها وجدت لنفسها طاقة للتبرير لم تقنع كثيرا من المواطنين، فإن استمرار حالة الاستنفار شككت آخرين في وجود أهداف خفية لدى بعض الجهات الأمنية، تبدو حريصة على تصدير التوتر العام للناس، مع أن هناك تقدما واضحا في الضبط والربط في الشارع من جانب الأجهزة الأمنية. فبؤر الإرهاب في سيناء تقلصت، وجرى تجفيف الكثير من منابعه الأساسية والثانوية، والعنف في الشارع تراجعت معدلاته العالية، وجرائم السطو والبلطجة خفت صوتها. ومع ذلك كان ثمة إصرار على أن يشعر الناس بعدم الأمان. وهو ما جعلهم يتخوفون من عودة ما يسمى بالدولة البوليسية البارعة في القسوة للحصول على الاعترافات من المتهمين، أي أن ما يحدث الآن بمثابة مقدمة لتوفير الأجواء المناسبة والمبررات الكافية لإطلاق يد الأجهزة الأمنية في المرحلة اللاحقة. لذلك يلبي تصدير التوتر حاجة في نفس هذه المؤسسة، تساعدها على تضخم دورها. وإجبار الجماهير على الاعتراف به، فهي الجهة الوحيدة القادرة على التصدى لفلول الإخوان ومن تراودهم رغبة للإضرار بأمن البلاد.

تصرفات الإخوان العشوائية في الشارع، قدمت للمؤسسة الأمنية فرصة لتأكيد أهمية دورها، من خلال التضحيات التي قدمها رجال الشرطة طوال الفترة الماضية، وما حصده هذا الجهاز من مكاسب أعادت إليه هيبته التي ضاعت عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ثم استعادها بعد ثورة 30 يونيو بموقفه المشرف المنحاز للجماهير، ولا يريد في الوقت الراهن ضياعها مرة أخرى. من هنا يحقق استمرار التوتر فائدة عظيمة في هذا الاتجاه، وسواء كانت هذه المسألة مقصودة أم غير مقصودة، فالنتيجة واحدة.

الوضع مع الإخوان أشد وضوحا، حيث يبدو استمرار التوتر هدفا بحد ذاته لدى جماعة فقدت رشدها السياسي، وتعمل فقط على أن تكون حبالها مشدودة على الدوام مع السلطات الرسمية. وفي خضم حرصها على تحقيق الفوضى داست في طريقها عن عمد على مشاعر كثير من الناس، فضاعفت من التوتر والارتباك في الشارع. وهي لم تحرص على مواصلة خصامها مع السلطات الحاكمة فقط، لكن أيضا بدت مصممة على الحفاظ على مسافة بعيدة عن البسطاء، أملا في أن يصب هؤلاء غضبهم على الحكومة، فيزداد ارتباكها وتتنافر تصرفاتها، وتصبح في نظر المواطنين عاجزة عن تلبية طموحاتهم، عسى أن ينقلب الحال إلى ثورة شعبية تقفز على أكتافها الجماعة وتصل للحكم مرة ثانية. وبرغم الخيال العاجز عن التفرقة بين الممكن والمستحيل، إلا أن قيادات الإخوان عازمة على عدم التفريط في استمرار مناخ التوتر، لأنه أضحى ورقة التوت التي تتدثر بها الجماعة، لسماع صوتها في الداخل وصياحها بالخارج، وأنها لا تزال على قيد الحياة السياسية.

الخطورة أن المستفيدين من التوتر حاليا، سوف يتكبدون حزمة من الخسائر مستقبلا. فالحكومة المصرية، لن تصب على رأسها لعنات المواطنين فقط الذين لم تتحسن أوضاعهم المعيشية بسبب التوتر الخارج عن إرادتها، بل قد يتحركون للمطالبة بتغييرها إذا تأكدوا أن رهانهم عليها فشل قولا وعملا. كما أن حال الارتباك يبعث للخارج كل يوم برسالة مفادها أن الأمور سيئة، ما يعنى تراجع فرص الاستثمار واستمرار غياب السياحة وهلم جرًّا من الأضرار الاقتصادية.

أما الأجهزة الأمنية، التي تسعى للمتاجرة بتضحياتها وتعمل على توظيف التوتر الناجم عن الخلل في أوجه كثيرة، فسوف تتعرض لانتقادات ممن يقفون على السلالم، أو يسمون بالطريق الثالث، فلا هم يؤيدون السلطات الرسمية ولا يقفون إلى جوار صف الإخوان. ويقدمون أنفسهم باعتبارهم من الرافضين لهؤلاء وهؤلاء. بحجة رغبتهم في دولة مدنية خالية من العسكر والإخوان، من الراجح أن يستغلوا أي تجاوزات أمنية، لإثارة الغبار حول المؤسسة الشرطية.

كاتب مصري

9