المستقبليون.. حداثة متواصلة واستجابة لروح العصر

الاثنين 2013/12/16
إحدى أشهر منحوتات التشكيلي الإيطالي أومبرتو بوكيوني

ظهرت على مرّ التاريخ العديد من المدارس الفنية كالواقعية والكلاسيكية والرومانسية والرمزية والتعبيرية والتجريدية والانطباعية والسريالية والوحشية والتكعيبية والدادائية والمستقبلية وما إلى ذلك.. تيارات وحركات ومذاهب فنية معروفة ومدروسة. غير أن الشيء العصيّ إدراكه هو الرغبة المحمومة بتغيير العمل الفني شكلا ومضمونا. يا تُرى، هل يستطيع الفنان أن يحقق مثل هذه الرغبة التي تبدو عصيّة على البعض، وقابلة للتحقيق لدى البعض الآخر؟

يحتاج الفنان التشكيلي إلى ذريعة تعزز هذا التغيير، وقناعات تبرّر توجهاته الجديدة. ففي المرحلة الواقعية كان الفنان التشكيلي يعتمد اعتمادا كليا على ما تراه العين المجردة التي تنقل بعض المشاهد الطبيعية نقلا حرفيا قد يصل في بعض الحالات إلى حدّ الاستنساخ، وكأن اللوحة ملتقطة بعدسة كاميرا فوتوغرافية، لكن هذا الفنان الطبيعي اكتشف بعد مدة من الزمن أن هذه الأعمال لا تستجيب لنوازعه الجوانيّة، ولا تعبّر عن مشاعره وأحاسيسه وانفعالاته الداخلية لذلك لجأ إلى التعبيرية التي لا تكتفي بتوثيق الانطباعات المرئية فقط، وإنما تكشف عن الجوانب العاطفية والروحية للفنان بوصفه خالقا ومصوّرا لعمله الفني، الذي لا يكتمل ما لم يكن ناجما عن مشاعره الداخلية التي تُضفي شيئا آخر مختلفا على المشهد الذي رسمه أو الفكرة التي جسّدها على سطحه التصويري.


حلول مؤقتة


على الرغم من سعي الفنان الكلاسيكي إلى تحقيق الكمال في عمله الفني الذي يعتمد على المنطق العقلي والحسابات الدقيقة، التي تتعلق بوحدة العمل وتوازنه وانسجامه كما هو الحال في الأيقونات الفنية التي أنجزها كل من ليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو ونيكولاس بوسان، إلا أن غيرهم من الفنانين لجؤوا لاحقا إلى المذهب الرومانسي الذي لا يعوّل على المنطق كثيرا، لأنه يضع ثقته المطلقة بالعاطفة والخيال والإلهام وكل ما من شأنه أن يحثّ على البواعث التلقائية الحرة.

وحينما اكتشف الفنان الرومانسي أن معطيات العاطفة وما يتخللها من خيال وإلهام لا تسدّ رمقه الإبداعي، لاذ بالسريالية كحل مؤقت ربما، لأنها تعتمد على العقل الباطن والتداعيات التي تحدث فيه مع التعويل على الفنتازيا، وما يتضمنه الواقع من معطيات خيالية قابلة للتنفيذ.

وجد بعض الفنانين التشكيليين ضالتهم في التكعيبية مثل بيكاسو الذي اعتمد على الخطوط المستقيمة والمنحنية والأشكال الكروية والإسطوانية والمثلثة، لكن التجريديين حبّذوا المضي في المغامرة إلى أقصاها، حينما اختزلوا الأشكال إلى الدرجة التي تضيّع المعالم الخارجية للشخوص أو الموضوعات المرسومة على ملمس السطح التصويري، ويمكن العودة إلى العديد من أعمال خوان ميرو، كاندنسكي، موندريان، وبول كلي للتأكد من صحة ما نذهب إليه.

استجابت المدرسة المستقبلية لبعض تطلعات الفنانين الإبداعية الذين كانوا يهدفون إلى مقاومة الماضي، ويسعون إلى تكريس اشتراطات فنية جديدة تتلاءم مع روح العصر ، وتمتد إلى المستقبل في الوقت ذاته.

لقد ركّز المستقبليون على عدد من المحاور نذكر منها “الحركة، السرعة، الإيجاز، التكنولوجيا، العنف والتغيير”، بل ودعا فيليبو توماسو مارينيتي، مؤسس هذه الحركة إلى حرق المتاحف والمكتبات في إشارة إلى نبذ القديم والمحنّط والإتيان بأشكال وأفكار جديدة مستنبطة من العصر الصناعي، الذي دخلته أوروبا في ذلك الوقت، حيث نرى السيارة والطائرة والقطار والمركبة الفضائية والمكتشفات الحديثة التي انتصرت على الطبيعة أو طوّعتها على الأقل، قد تسيّدت على السطوح التصويرية، ويمكن متابعة أعمال إمبرتو بوتشيوني، جينو سيفيريني، كالرو غارا وغيرهم من الفنانين الذين تضمنت أعمالهم الفنية على هذا النفس الديناميكي السريع المُستمد من التكنولوجيا المعاصرة.

وقد امتدت هذه النزعة الفنية المستقبلية إلى العمارة التي مثّلها أنطونيو سانت إيليا، والموسيقى التي جسدّها الأخوان لويجي وأنطونيو راسولو، والأدب الذي عبّر عنه خير تعبير مارينيتي المُشار إليه سلفا.

لو وضعنا أي عمل فني سواء أكان لوحة أم منحوتة أم قطعة موسيقية مستقبلية تحت المجهر النقدي وفحصناها جيدا، لوجدنا أنها ما زالت متمسكة بكل مبادئ العمل الفني المتعارف عليها كـ”الوحدة، والتوازن، والإيقاع، والحركة، والانسجام” وما إلى ذلك، بل إن عناصر العمل الفني المعروفة كـ”الملمس، والمكان، والخط، والشكل، واللون، والتون” لم تتغير هي الأخرى.

إذًا، ما هي أبرز المتغيرات التي حصلت في العمل الفني المستقبلي؟ لا شك أن الحركة والسرعة هما علامتان مميزتان في العمل المستقبلي، وقد اجتهد أكثر من فنان للمزج بين عدة مذاهب فنية كالتشخيصية والتكعيبية والسريالية والتجريدية والتكعيبو- مستقبلية، بغية الوصول إلى نتيجة مغايرة تتجسد فيها الحركة كعنصر أساسي، كما في منحوتة بوتشيوني المعنونة “نماذج فريدة للاستمرارية في الفضاء”.


حركة وسرعة


الفيغر لا يزال يحمل المعالم الشخصية للإنسان حتى وإن تجرّد من اليدين وملامح الوجه، لكن الشيء الأكثر إثارة فيه هو حركته الدائمة في الفضاء التي تبدو وكأنها مستمدة من لاعب كرة قدم في حالة حركة، كما أنه يحيل بقدر أو بآخر إلى “الرجل الماشي” لأوغست رودان.

لقد دخلت المفردات التكنولوجية بقوة إلى الأعمال المستقبلية لكنها لم تنقذ الفنان المستقبلي من الحرج الذي وقع فيه. فالحياة في تقدم مضطرد ويبدو أنها لا تتوقف عند حدّ معيّن، فلقد دهمتنا الأنترميديا والفنون التركيبية والمفهومية والمالتيميديا والفيديو ومجمل معطيات فنون ما بعد الحداثة.

وربما تكون فنون المالتيميديا أو فنون وسائط الإعلام المتعددة التي يدخل فيها “النص والصوت والرسومات والصور المتحركة والفيديو والليزر شو” هي التي ستستجيب مؤقتا إلى راهنية الفن ومستقبليته القريبة التي نأت كثيرا عن المستقبلية التي كنا نتحدث عنها قبل الثورة الأليكترونية، وما رافقها من تطوّر مذهل في مجمل مناحي الحياة وهو ما نطلق عليه بالحداثة المتواصلة التي يحتاجها كل جيل فني على حدة.

16