المستقبليون متفائلون بصحافة الغد

المجتمعات التي تعطي للصحافة مكانتها وأهميتها وصولا إلى فصل السلطات عنها وجعلها أداة تغيير اجتماعي وسياسي وصولا إلى طابعها النقدي سوف تبقى كما هي بل سوف يتعزز دورها.
الثلاثاء 2018/07/17
الصحافة في الزمن الرقمي لها تكلفتها

لا شك أن الحديث في المستقبليات لا ينتهي، والبحث في هذا الموضوع ينفتح في كل مرة على معطيات ومتغيرات جديدة.

لكن المستقبليين هم أيضا بطبيعتهم قسم كبير منهم تشاؤميون في الغالب وذلك امتدادا للنظرة التقليدية في القلق من الغد والتحسب له.

المستقبليون التشاؤميون ينقلون تشاؤمهم إلى واقع ومستقبل الصحافة وكثيرا ما نسمع عن زمن انقراض الصحافة وزحف وسائط اتصالية تفاعلية وأكثر قربا من المتلقي.

الافتتان بوسائل التواصل الاجتماعي زاد من اندفاع الجيل وصار هنالك فهم شائع أن زمن الصحافة يكاد ينتهي وسيحل محله شكل آخر ومحتوى مختلفان علامتهما الفارقة هي المستحدثات الرقمية التي دخلت وسوف تدخل الميدان بقوة.

إفلاس بعض الصحف وغلق أخرى زاد من قتامة المشهد برمته. لكن في المقابل هنالك قراءات مستقبلية تبث الأمل وترى ما لا يراه المتشائمون.

ففي مقال موسع في موقع بلومبيرغ للكاتب جون مايكلثويت يؤكد فيه أننا لسنا على أبواب انقراض الصحافة بل إن زمن الصحافة برمته مقبل على مرحلة إيجابية وأن ما تمر به الصحافة اليوم هو مرحلة انتقالية إيجابية نحو صحافة أكثر تطورا.

يذهب الكاتب إلى أن الصحافة تتحول تدريجيا إلى النظام الرقمي وتصبح أكثر شخصانية وأكثر دقة وتكاد صحافة الفبركات تختفي بسبب عدم قدرتها على النفاذ ووجود جمهور واع ومتابع.

الحاصل أن الصحافة تمر بمرحلة انتقالية ومن علاماتها تحولها من الورقي إلى الرقمي، وهذا النوع من التحول لم يلغ ولن يلغي الأدوار التي تضطلع بها الصحافة الحرة.

المجتمعات التي تعطي للصحافة مكانتها وأهميتها وصولا إلى فصل السلطات عنها وجعلها أداة تغيير اجتماعي وسياسي وصولا إلى طابعها النقدي سوف تبقى كما هي بل سوف يتعزز دورها.

الصحافة التي ستتبنى النظام الرقمي وتجند طاقاتها لكي تتجدد وتواكب هذا التحول الحياتي والإنساني سوف تجد نفسها أكثر توازنا ونجاحا.

يضرب محرر بلومبيرغ مثالا على ذلك صحيفة نيويورك تايمز وقد ناهز عدد مشتركي نسختها الرقمية مليونَيْ مشترك وهي تخطط للوصول إلى عشرة ملايين مشترك.

هذا المستوى من النفاذ إلى الجمهور يقول بأنه زمن الصحافة كما كان من قبل وعلى الرغم من تحولها الرقمي إلا أن قوة الصحافة سوف تبقى نابعة من نهجها وما تقدمه لقرائها من مادة صحافية رصينة ومن جهة أخرى سوف يبقى هنالك الكتاب الصحافيون الجديرون بالمتابعة.

سوف تبقى الحاجة قائمة إلى كتاب الأعمدة الأكثر قربا من الجمهور والذين مدوا جسور التواصل مع جمهورهم.

يحسب كثيرون أن المدونات والصفحات والمواقع الشخصية على شبكة الإنترنت قد تزحف بمرور الزمن وتحتل موقع الصحافة وهو رأي غير دقيق في نظر المستقبليين لأن للوسطين طبيعة مختلفة وتقاليد الصحافة وثوابتها ليس بالضرورة أن تكون متوفرة في مدونات ومواقع أخرى.

الصحافة ليست مفلسة دائما ولا مهددة بالإفلاس وبالتالي الغلق وصرف المحررين، بل بالعكس صارت صحافة اليوم تتفنن في طريقة توزيعها وفي اجتذاب نوع من الشراكة مع مؤسسات كبيرة وصارت تقدم خدمات صحافية مدفوعة فضلا عن قراءة المواد الصحافية بثمن من خلال اشتراك سنوي أو شهري أو أسبوعي.

الاقتناع بأن الصحافة في الزمن الرقمي لها تكلفتها التي تستدعي استثمارا وتغطية نفقات لكي تستمر في أداء وظيفتها بناءً على المتغيرات المستجدة التي تجعل الصحافة المستقبلية متطورة وناجحة ولها جمهورها وليست مفلسة ومنتهية الصلاحية، كل ذلك يبعث على التفاؤل بمستقبل الصحافة ويتقاطع مع النظرة التشاؤمية المتطيرة وأن ما نحن فيه ليس إلا مرحلة انتقالية تكتسب فيها الصحافة خصائص جديدة تمنحها المزيد من الإمكانات المتنوعة التي تقوي حضورها الاجتماعي والإنساني.

18