المستقبل سيكون للنفط وللطاقات الأخرى نصيب

هل سينتهي عصر النفط؟ سؤال بات يطرح بشدة في السنوات الأخيرة مع تصاعد الحديث عن مستقبل ما بعد النفط، وظهور مشاريع لتطوير قطاعات الطاقة البديلة وتطوير تكنولوجيات تساعد على استخراج النفط الصخري بطرق أرخص وأسهل. لا شكّ في أن هذه التطورات ستؤدّي إلى التقليص من الاعتماد المطلق على النفط، لكنّها لن تزيحه تماما عن عرش الطاقة على الأقل لسنوات طويلة قادمة.
الجمعة 2016/04/29
حرائق النفط لن تنطفئ قريبا

لندن- رغم أن أول بئر للنفط تم اكتشافه قبل قرون عديدة، والمرجح أنه كان في الصين في القرن الرابع ميلادي، غير أن التاريخ الحديث للنفط واستعمالاته يعود إلى نحو قرن بعد قيام الثورة الصناعية في بريطانيا، وتحديدا في عام 1859 بعد أن اكتشف عالم أميركي طريقة مبتكرة لتقطير النفط وأصبح ممكنا استخدامه للأغراض التجارية وفي مجال المواصلات.

ومنذ ذلك التاريخ ووصولا إلى يومنا الحالي تم اكتشاف احتياطيات كبيرة وضخمة في أنحاء مختلفة من العالم وتطوير تكنولوجيا استخراجه واستعمالاته، وأصبح النفط محرّك العالم. وبقدر ارتفاع الحاجة إلى النفط ارتفعت نسبة الصراعات في العالم، وتضررّت الأرض بشكل خطير يهدد مستقبل الحياة عليها.

ودفع هذا الخطر إلى التفكير جدّيا في تطوير قطاع الطاقة البديلة، التي لن تعوّض النفط، لكنّها يمكن أن تساعد على تقليص الاعتماد عليه وخلق اقتصاد “له بصمة كربون محدودة”، وفق ما جاء في الاتفاق حول المناخ الذي تم التوصل إليه خلال مؤتمر باريس الحادي والعشرين والذي يفرض تطبيقه تخلي الاقتصاد العالمي عن مصادر الطاقة الأحفورية.

وبلغت مساهمة النفط في تحريك وسائل المواصلات في العالم ولا سيما السيارات نحو 97 بالمئة من احتياجاتها في عام 1997. غير أن هذه النسبة انخفضت إلى 92 بالمئة في عام 2014، على الرغم من الارتفاع الكبير في وسائل المواصلات، ولا سيما في عدد السيارات، الذي ارتفع من 590 مليون سيارة في عام 1997 إلى نحو 1.2 مليار سيارة في عام 2014، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى نحو 1.7 مليار سيارة في عام 2040.

وتدفع هذه الزيادة الخبراء في مجالي الطاقة البديلة وصناعة السيارات، ووسائل النقل عموما، إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة، نظيفة وغير مكلفة، تساعد على التقليل من الاعتماد على البنزين. وقد بدأ بالفعل تطوير بعض هذه الوسائل، وإن كان استعمالها مازال محدودا جدا وقيد التجربة، مثل الوقود الحيوي المستخرج من بعض النباتات، الذي ساهم بنسبة 4 بالمئة من الوقود الضروري لتحريك السيارات، فيما لم تتجاوز حصة الكهرباء في تشغيل السيارات 1 بالمئة.
طواحين الريح لن تهزم النفط
المصادر البديلة للطاقة

أهم مصادر الطاقات المتجددة البديلة المرشحة لمنافسة العضوية ولا سيما النفط هي:

* الطاقة الشمسية: يقدر العلماء أن الشمس تزود الأرض بطاقة هائلة تعادل أكثر من 35 ألف ضعف ما تحتاجها الأرض. وهي طاقة نظيفة ومتجددة لا تنضب.

والخلايا الشمسية من المكن أن تولّد الكهرباء مباشرة من ضياء الشمس، والطريقة استعملت أول مرة في السفن الفضائية، وهي الآن مصدر طاقة للآلاف من البيوت الفقيرة في بعض المناطق الأفريقية وأميركا اللاتينية وتكلفتها في انخفاض مستمر.

وعلى الرغم من أن تكلفة الوحدة الكهربائية المولدة من الطاقة الشمسية ما زالت أعلى من مثيلتها المولدة من النفط، غير أن تكلفة نقل الوحدة إلى محطات الكهرباء أقل تكلفة من مثيلتها في النفط.

وأصبح اليوم إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية مجديا في نحو 17 دولة. والصين على سبيل المثال تغرق الأسواق بتقنياتها لإنتاج الطاقة الشمسية وتقدم دعما بعشرات المليارات من الدولارات لإتاحة الفرصة أمام الشركات الصينية لتنتج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية بأقل تكلفة ممكنة.

* الطاقة المولدة من الرياح: تبذل جهود كبيرة لاستثمار الطاقة المولدة من الرياح وتكلفة إنتاجها في انخفاض مستمر. ومع القفزات الهائلة في العلم والتكنولوجيا أصبح من الممكن تصميم وتصنيع توربينات ضخمة قادرة على حجز الهواء بطريقة أكثر كفاءة.

وعلى الرغم من أن الطاقة المنتجة من الشمس والرياح لها مخاطرها أيضا بسبب أن الشمس لا تشرق دائما والرياح لا تهب دوما، فإن العلماء يحاولون حل هذا الموضوع عن طريق توليد وتخزين الكهرباء أثناء وجود الضوء والحرارة وهواء كاف واستغلال الطاقة الناتجة لرفع المياه إلى خزانات كبيرة على علو مرتفع ثم إنزال المياه عند الحاجة لتوليد الطاقة الكهربائية من الطاقة الناتجة من تدفق المياه مثل الطاقة الهيدروكلية المتولدة من قوة مياه الشلالات و مساقط المياه المتدفقة.

* الطاقة المتولدة من وقود الهيدروجين: الهيدروجين موجود في ذرات المياه. مازالت الطريقة الآن مكلفة، والوقود الناتج ثقيل ويحتاج إلى مساحات كبيرة للتخزين ولكن العلماء يعملون على تحسين الكفاءة وتخفيض التكلفة باستمرار.

* الطاقة الحيوية: الوقود المستخرج من الزيوت النباتية هو من البدائل المطروحة. وعلى الرغم من أن التجربة البرازيلية لاقت صعوبات عديدة منذ أن انطلقت في أوائل السبعينات بسبب تكلفتها العالية وكفاءتها القليلة إلا أنه مع تطور العلوم وخاصة علوم البيولوجيا الحيوية ومع تقدّم التقنية المصاحبة فإن الطاقة الحيوية مرشحة لأن تلعب دورا مؤثرا متزايدا.

ومنذ السبعينات خطت البرازيل ولحقتها الولايات المتحدة خطوات كبيرة في إنتاج وقود إيثانول المسخرج من قصب السكر. وتستعمل السيارات الخفيفة في البرازيل وقودا يمزج مع الإيثانول بنسبة 20 بالمئة ويقدر عدد السيارات التي تستعمل هذا المزيج من الوقود بنحو 21 مليون سيارة مما يعوض عن نحو 20 بالمئة من النفط الذي كان يستعمل سابقا.

* الطاقة الذرية النظيفة: الطاقة الناتجة عن الاندماج النووي بين ذريتين بدلا من الانشطار الذري الذي يحصل في تفجير القنبلة الذرية. والانشطار الذري التقليدي يسبب إشعاعات ذرية قاتلة كما يفعل اليورانيوم المخصب المستعمل في المحطات الذرية غير أن الطاقة الهائلة الناتجة من اتحاد ذريتين على سطح الشمس تتم في ظل درجات حرارة عالية جدا تقدر بملايين الدرجات.

والحلم الذي يراود العلماء هو أن يتم الاندماج في ظل درجات حرارة عادية. وإذا ما تم هذا الإنجاز فإن البشرية سوف تشهد أنظف وأرخص مصدر للطاقة التي لا تنضب. وفي الوقت الحاضر فإن الحكومات في العالم المتقدم تصرف فقط 20 بالمئة من الموازنات المخصصة للبحوث لتطوير الطاقات البديلة. ومع التقدم العلمي فإن المعادلة قد تتغير ويصل العلماء إلى الحلم الذي يراودهم.

هناك بالتأكيد محاولات تجري للبحث عن مصادر جديدة للطاقة مثل الطاقة المنبعثة من داخل الأرض حيث هناك طاقة حرارية هائلة قادرة على إذابة الصخور. والمياه الموجودة داخل أعماق الأرض حارة جدا.

بعض هذه المياه تصعد إلى الطبقات العليا من الأرض وتجد لها منفذا لتخرج من سطح الأرض على شكل عيون ساخنة أو على شكل بخار. وإحدى الطرق لإنتاج الكهرباء هي استثمار البخار المنبعث لتشغيل التوربينات الكهربائية الضخمة واستعمال المياه الساخنة لتدفئة البيوت مثلما يتم في أيسلندا.

وتوجد في العالم نحو خمسة ملايين سيارة يتم تزويدها بالغاز بدلا من النفط والعدد في زيادة مستمرة والمحاولات مستمرة لتشغيل السيارات بالوقود الحيوي أو الكهرباء.

وما يدعو الخبراء إلى التأكيد أن الاعتماد على الطاقة البديلة أمر ممكن هو نجاح التجربة في مجال إنتاج الكهرباء الذي أصبح أقلّ اعتمادا على النفط منذ عام 1997؛ حيث تم تعويضه ببدائل أخرى، منها الطاقة النووية، التي تساهم بنحو 17 بالمئة في إنتاج الكهرباء والطاقة الهيدروكلية والتي تساهم بنسبة 18 بالمئة. أما مساهمة الطاقات البديلة المتجددة مثل الطاقتين، الشمسية والرياح، فكانت أقل من 1 بالمئة.

فوائد على مخزون النفط العالمي

في بداية السبعينات كانت الاحتياطات المؤكدة من النفط تكفي لتزويد العالم بالوقود لمدة 33 عاما، وبسبب الطفرات الهائلة التي حصلت في العلم والتكنولوجيا، أصبحت الاحتياطيات “المؤكدة” من النفط تكفي لمدة 43 عاما، حسب معدلات الاستهلاك في عام 1997، ثم ارتفعت لسد احتياجات العالم من النفط لمدة 100 عاما في عام 2014.

وبحلول عام 2040، قد تنخفض مستويات الإنتاج إلى 15 مليون برميل يوميا، وهو ما يُمثّل حوالي 20 في المئة مما نستهلكه حاليا، رغم الزيادة الكبيرة في عدد السكان وزيادة الطلب على الطاقة في العالم بارتفاع عدد المناطق الصناعية التي تعتمد أساسا على النفط.

والسبب في هذا التراجع المتوقّع أن الطاقات البديلة ستساعد على تحقيق التوازن في الاستعمال والتقليل من الاعتماد المطلق على النفط. كما أن التقدم العلمي والتكنولوجي يمهد الطريق لاكتشاف احتياطيات جديدة واستخراجها وبطرق لم تكن متوفرة في السابق.

الصعود المستمر في أسعار النفط وزيادة الطلب عليه يدفعان الشركات إلى تكثيف البحوث وتطوير التكنولوجيا للحصول على مصادر جديدة للوقود العضوي. ومنذ السبعينات، وخصوصا بعد حرب 1973، دفع الخوف من احتمال حصول صدمة جديدة أخرى، أقطارا عديدة إلى تكثيف جهودها وزيادة استثماراتها لتطوير التكنولوجيا لاستخراج مصادر الطاقة بطرق أسهل وأرخص، مثل النفط الموجود تحت المياه العميقة من البحار والمحيطات والفحم الحجري في الأماكن البعيدى من سيبريا.

ويعتقد الآن حسب تقديرات البنك الدولي أن احتياطيات الطاقة العضوية (النفط، الغاز الطبيعي، الفحم) كافية لتزويد العالم من الوقود لمدة 600 سنة إضافية حسب المعدلات الحالية للاستهلاك.

الغاز الطبيعي، هو أيضا شهد طفرات في الاكتشافات، وكانت احتياطيات العالم “المؤكدة” من الغاز الطبيعي في عام 1970 تكفي لتغطية احتياجاته لمدة 44 سنة، وبعد الاكتشافات الجديدة أصبحت تكفي لتلبية احتياجات العالم لمدة 100 سنة. كما أن احتياطيات الفحم الحجري كافية لتزويد العالم من احتياجاته لمدة 275 سنة. وقد ساعدت التكنولوجيا على تطوير استخراج النفط الصخري والرملي بمستويات إنتاج كبيرة.

أسباب تراجع أهمية النفط

الخوف والشعور بعدم الأمان من الطاقة العضوية ولا سيما النفط، مازالا يراودان عددا كبيرا من الدول في الغرب منذ التداعيات التي صاحبت حرب أكتوبر 1973 وما نتج عنها من انقطاع جزء كبير من الإمدادات النفطية العربية إلى بعض الدول الغربية. وقد تجدّد هذا الخوف مع الأزمة الحالية في أسعار النفط والخلافات الأخيرة على حصص الإنتاج. هناك أيضا أسباب اقتصادية تؤثر على البلدان المستوردة للنفط التي تشعر أنها تصرف المليارات من الدولارات سنويا لاستيراد النفط، بدلا من استثمارها في داخل بلدانها لخلق فرص عمل جديدة.

لكن أسباب تراجع أهمية النفط والرغبة في الحصول على مصادر بديلة للطاقة تكون نظيفة ومتجددة ورخيصة، لا تعودان فقط إلى العوامل الاقتصادية والسياسية، والتخوف من ارتفاع أسعار النفط فجأة أو عدم الثقة في الحصول على إمداداته، بل أيضا إلى الضغوط المتزايدة في العالم من جماعات البيئة والمنظمات الصحية، والتحذيرات من الاعتماد المستمر على النفط، والوقود العضوي إجمالا، ومخاطره على البيئة وعلى الحياة على سطح الأرض.

وعكست خطورة هذه التحذيرات توقيع عدد قياسي من الدول بلغ 175 دولة، الجمعة 22 أبريل 2016، في الأمم المتحدة اتفاق باريس حول المناخ وذلك بهدف الحد من ارتفاع حرارة الأرض، حيث قال الأمين العام للأمم المتحدة تعقيبا على هذه الخطوة، “إنها لحظة تاريخية أن يوقع مثل هذا العدد الكبير من الدول اتفاقا دوليا في يوم واحد (..) إن مشاركة هذا العدد من الدول لا يترك مجالا للشك في تصميم العالم على التحرك في ملف المناخ”.

وتمثل الدول التي وقعت، بالتزامن مع إحياء يوم الأرض العالمي، الاتفاق مصدرا لـ93 بالمئة لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بحسب معهد وورلد ريسورسز، لكن التوقيع ليس إلا مرحلة أولى، فالاتفاق لن يسري إلا بعد مصادقة برلمانات 55 بلدا، تكون مسؤولة عن 55 بالمئة على الأقل من انبعاثات الغازات الدفيئة.

بديل عاجل

يمكن الاستفادة من النفط بتفتيت جزئياته واستخدامها في صناعة الأدوية والأسمدة وصناعات متنوعة عديدة

حضّ الممثل الأميركي والناشط البيئي ليوناردو ديكابريو، الذي حضر التوقيع في الأمم المتحدة، قادة العالم على التحرك بسرعة، وشدد قائلا “كفى خطبا رنانة وأعذارا، وكفى تلاعبا بالعلم والسياسات من الشركات المرتبطة بالطاقات الأحفورية مثل النفط والفحم الحجري. نعم اتفاق باريس مصدر أمل لكن ذلك ليس كافيا”.

وفي ذات السياق، تقول سيليا غوتييه، من شبكة العمل من أجل المناخ غير الحكومية “لتطبيق الاتفاق على الدول الآن أن تبدأ عمليتها الانتقالية في قطاع الطاقة والتي تمر بإعادة توجيه الاستثمارات”.

ويؤكّد العلماء أن التلوث المستمر يسبّب تغييرات مستمرة في البيئة ينشأ عنها ذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاع في درجات الحرارة وفي منسوب مياه البحار والمحيطات ونزول الأمطار الحمضية المضرة؛ وكل ذلك يسبب نتائج خطيرة تدفع العلماء وجماعات البيئة والمنظمات إلى تكثيف الضغط على الحكومات لحملها على اتخاذ التدابير اللازمة للحدّ من هذه الأخطار، وعلى رأس هذه التدابير يأتي تقليص استعمال النفط.

تشير دراسات لأوبك إلى أن استهلاك الطاقة في العالم سيرتفع 50 في المئة عام 2035 عما كان عليه عام 2010، ما سيؤدي إلى ارتفاع استهلاك معظم مصادرها، لكن النفط سيبقى المصدر الأساسي للطاقة حتى 2035، على رغم أن حصته من مجمل مصادر الطاقة ستنخفض خلال هذه الفترة من 34 إلى 28 في المئة.

وخلاصة القول إذن أن الوقود العضوي لن ينتهي بهذه السرعة والمستقبل سيكون للنفط، وللطاقات الأخرى، والتي ستمكّن من الاستفادة أكثر من النفط، حيث يقول كثيرون في العالم المتقدم إن النفط أثمن من أن يحرق بالطريقة المتبعة الآن ويسبب أمراضا بيئية وصحية مختلفة، بل يمكن الاستفادة منه عبر تفتيت جزئيات النفط في المختبرات العلمية تمهيدا لاستخدامها في صناعة الملابس والأدوية والأسمدة والسجاد والمواد المستعملة للتجميل والعطور وصناعة الكيمياويات والأدوات الرياضية وحتى استخراج المواد الغذائية من البروتين وأشياء متنوعة عديدة.

كاتب من سلطنة عمان

6