المستقبل في الصين يغري الشباب العرب بالدراسة والعمل

الجامعات الصينية تجتذب أعدادا متزايدة من الطلبة العرب تزامنا مع تطور العلاقات الاقتصادية والاستثمارات بين بكين والعديد من الحكومات العربية.
الأحد 2020/05/10
تجارب ثقافية وتطور علمي

يبدي الشباب العرب اهتماما متزايدا بالتوجه إلى الصين للدراسة أو التجارة، لاسيما بعد تطور العلاقات الاقتصادية والاستثمارات بين الصين والعديد من الحكومات العربية ومن ضمنها مبادرة “الحزام والطريق”.

بكين - “اطلبوا العلم ولو في الصين” مقولة تبناها الكثير من الشباب العرب في السنوات الأخيرة، وتوجهوا للدراسة فيها ضمن برامج التبادل الثقافي بين الصين والدول العربية، أو بمبادرات ذاتية للتعلم والتخصص في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وريادة الأعمال.

وصل عمر العنزي من السعودية إلى بكين عام 2009 للدراسة، وبعد تخرجه من جامعة بكين جياوتونغ عام 2013، تخلى عن فرصة مواصلة الدراسة في الولايات المتحدة، وقرر البقاء في الصين حيث بدأ دراسة علم المالية في جامعة جنوب الصين للمعلمين بمدينة قوانغتشو في مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين.

وفي فترة الدراسة الجامعية، نجح العنزي في تحقيق أول مكسب تجاري كبير في حياته، إذ نجح في بيع لوحة إعلانية وأعطى الربح لأخيه الصغير كهدية زواج. الأمر زاد من تصميمه على ريادة الأعمال في الصين.

وبتخرجه من الجامعة عام 2016، انضم العنزي إلى شركة “دوام” للتجارة الدولية لإبن عمه، والآن يعمل الرئيس التنفيذي للشركة.

وخلال سنوات قليلة شهدت أعمال الشركة تطورا سريعا، وأوضح “عندما بدأنا كنا ثلاثة أو أربعة فقط، وكانت رقعة الشركة صغيرة جدا، أما الآن يوجد نحو 25 موظفا ومساحة الشركة أكثر من 300 متر مربع”.

وتقوم شركة “دوام” ببيع الاحتياجات الرياضية رئيسيا إلى السعودية ودول أخرى، ويشمل مجال عملها الملابس والأحذية وساعات التنبيه.

الطلاب العرب لم يتعودوا على أسلوب التدريس في الصين الذي يحتاج إلى كثير من المشاركة والعرض والمنطق والابتكار

ويشعر العنزي بفخر كبير كلما يرى عبر قنوات التلفزيون السعودية معجبي كرة القدم المحليين يرتدون الملابس المستوردة عبر شركة “دوام”.

ومع تزايد حجم الصادرات الصينية إلى السعودية، تفكر شركة “دوام” في استيراد منتجات سعودية محلية إلى الصين مثل التمور وروبيان البحر لزيادة معرفة الصينيين عن السعودية.

وأعرب العنزي عن تفاؤله تجاه مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين السعودية والصين بفضل الترابط المعزز بين رؤية السعودية 2030، ومبادرة “الحزام والطريق”.

و”الحزام والطريق” مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير القديم، حيث وقّعت الصين مذكرات تفاهم واتفاقات شراكة استراتيجية مع كثير من دول المنطقة التي يمر من خلالها طريق المبادرة.

وتهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمارات ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية ومشاريع للطاقة. وعلى الرغم من أن المبادرة قد أُطلقت رسمياً في نوفمبر 2013، غير أنّ المشاريع التي بدأت قبل سنوات غالباً ما تحتسب ضمنها.

وتبدي العديد الدول العربية اهتماما متزايدا بإرسال دفعات من شبابها الخبراء والطلاب، بالتزامن مع توسع العلاقات التجارية والاقتصادية بين الطرفين ومن ضمنها مبادرة “الحزام والطريق”.

ويدرس الطلاب العرب في العديد من الجامعات الصينية بما في ذلك جامعة بكين، وجامعة بكين للغات والثقافات، وجامعة تسينغهوا، ومعهد شنيانغ الطبي، وأكاديمية بكين المركزية للفنون الجميلة حيث تخصصوا في علوم اللغة، والطب، والبناء، والرياضة، والفنون، والمسرح، وبعضهم حصل على الماجستير والدكتوراه.

رقم قياسي

التقارب الثقافي تطور بعد  اهتمام الدول العربية بإرسال شبابها إلى الصين
التقارب الثقافي تطور بعد  اهتمام الدول العربية بإرسال شبابها إلى الصين

يكمل الطلاب الأجانب في الصين دراستهم في جامعات مثل جامعة المعلمين شرقي الصين، وجامعة النانجينغ، وجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، وجامعة شانغهاي للمعلمين، وجامعة تونغي، وجامعة شمال الصين للطاقة الكهربائية، وأصبحت تخصصاتهم العلمية تمتد أكثر إلى الأقسام الفيزيائية، والكيميائية، والطب الصيني التقليدي.

وأظهر تقرير صادر عن مركز الدراسات لمنتدى التعاون الصيني العربي أن عدد الطلاب العرب في الصين ارتفع من 1130 شخصا في عام 2004 إلى 18050 شخصا في عام 2016، بمعدل نمو سنوي بلغ 26 في المئة، في حين أن عدد الطلاب الدارسين في الدول العربية ارتفع من 242 شخصا في عام 2004 إلى 2433 شخصا في عام 2016، بمعدل نمو سنوي قدره 21 في المئة.

وكشفت لياو جينغ أستاذة اللغة العربية بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية بالصين، في بحثها بعنوان “تكيف الطلبة العرب الوافدين إلى الصين” أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في أعداد الطلبة العرب في الجامعات الصينية، وقالت “وصل عددهم إلى رقم قياسي بفضل العلاقة الودية بين الدول العربية والصين”.

وأشارت إلى أن بداية استقطاب الطلاب العرب في الصين واكبت التبادل الثقافي والتعليمي بإمضاء اتفاقيات الشراكة بين الحكومة الصينية وحكومات الدول العربية.

ويروي الشاب علاء رواينية تجربته في الدراسة والعمل في الصين لوكالة الأنباء الصينية، قائلا إنه ينحدر من أسرة جزائرية متخصصة في الهندسة المعمارية، فوالده وأخوه مهندسان معماريان. وبدوره؛ سار الشاب على نهج عائلته ودرس الهندسة المعمارية في الجامعة بالجزائر.

وبعد سنة من تعلم اللغة الصينية في جامعة بمنطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي بشمالي غرب الصين، انضم رواينية إلى شركة للإبداع الثقافي في مدينة يينتشوان عاصمة نينغشيا عام 2016.

وتقع الشركة في مركز الإبداع في يينتشوان، الذي تحتشد فيه أفضل الموارد الإبداعية للمدينة، ما يتيح فرصة ضخمة لعمل رواينية.

وقال ماو كانغ يو نائب مدير عام الشركة إن نينغشيا كباقي المناطق الغربية الصينية الأخرى، ينقصها الأكفاء من ذوي الرؤية الدولية، ولذا تهتم الشركة بالاستفادة من الأفكار الحديثة للشاب الجزائري.

وخلال فترة وجيزة، حاز رواينية إعجاب زبائن الشركة بأفكاره الرائعة وتصاميمه التي تتحلى بالخصائص الثقافية الصينية، ما يعزز ثقته بإطلاق مزيد من أعمال التصميم ثلاثي الأبعاد.

وينوي رواينية البقاء في الصين بالنظر لحرص الحكومة الصينية على خلق ظروف تخص ريادة الأعمال والتوظيف للشباب، حيث قال “إن المستقبل للصين”.

ثقافتان مختلفتان

تجاوز صعوبات الحياة يتحول إلى قصص نجاح للطلاب
تجاوز صعوبات الحياة يتحول إلى قصص نجاح للطلاب

وقالت الباحثة لياو جينغ إن الصين في القرن الحادي والعشرين، تجتذب عددا متزايدا من الطلبة العرب ليس بسبب ما تتمتع به من نمو اقتصادي واستقرار اجتماعي وتأثير دولي متعاظم فقط، بل بسبب ما تتمتع به من تفاهم ثقافي بين فردين من ثقافتين مختلفتين.

ولاحظت تفوق عدد الطلاب الذكور على الطالبات، وتتراوح أعمارهم بين 18 و40 سنة، بينما ارتفعت هذه النسبة في الفئة العمرية من 20 إلى 24 سنة. ومعظم الطلاب جاؤوا من اليمن، وبعد ذلك، من مصر وسوريا والسودان والجزائر والأردن ولبنان والعراق وفلسطين على التوالي.

كما أن عدد الوافدين من السعودية والدول الخليجية قد زاد بدرجة كبيرة بداية القرن الحادي والعشرين. ومن بين هؤلاء الطلاب من كانوا يدرسون اللغة الصينية لفترة ما بين 6 أشهر إلى 12 شهرا من أجل التعرف على الحضارة الصينية وممارستها في الأنشطة التجارية، فيما يدرس الآخرون العلوم الطبيعية والإنسانية والإدارية والهندسية للحصول على شهادة الليسانس أو الماجستير أو الدكتوراه مع منحة الحكومة الصينية ومنحة حكومتهم الأصلية.

وأضافت في بحثها الذي ترجم ملخصه المستشار الثقافي المصري بالصين حسين إبراهيم، إنه نظرا للاختلافات الكبيرة بين الصين والدول العربية في الثقافة بما في ذلك الدين، واللغة، وعادات الأكل، والعيش، تواجه هؤلاء الطلبة العديد من الصعوبات.

وأول المشكلات الرئيسية التي تواجه الطلاب العرب الأكل والطقس اللذان يتصدران قائمات صعوبات المعيشة، إذ يعاني الطلاب في شراء الطعام الحلال الذي يباع فقط في بعض الأسواق التي لا يوجد فيها كثير من المسلمين، مثل المدن الواقعة في شرقي الصين، فمتاجر الطعام الحلال تكون أقل.

دول عربية تبدي اهتماما متزايدا بإرسال دفعات من شبابها الخبراء والطلاب، بالتزامن مع توسع العلاقات التجارية والاقتصادية مع الصين

بالإضافة إلى ذلك، يوجد قليل من أنواع الأطعمة المتاحة في المطعم الإسلامي داخل الجامعة، ومذاق الطعام الإسلامي الصيني ليس مثلما يعد بطريقة الطبخ في الدول العربية، فلم يتعود الطلاب العرب على المأكولات الصينية. ولم يتعود الطلاب العرب على الطقس الصيني الذي يتميز بالرطوبة في الجنوب، وبالبرودة في الشمال.

والمشكلة الثانية تتعلق بطبيعة الدراسة نفسها، حيث إن البرنامج الدراسي يبدأ في الساعة الثامنة صباحا وينتهي في الثامنة ليلا. وبالنسبة إلى الطلاب العرب، يبدأ الفصل مبكرا وينتهي متأخرا جدا. ثم الأستاذ الصيني دائما يلتزم بوقت الفصل، ولن يتأخر عن بدء الحصة أبدا ولن يتقدم عن انتهائها أبدا، لذلك، هو يفضل التزام كل طالب بها. مما يصبح عائقا للطلاب العرب الذين لم يتعودوا على ذلك من قبل.

ولم يتعود الطلاب العرب على أسلوب التدريس في الصين الذي يحتاج إلى كثير من المشاركة والعرض والمراجعة والمنطق والابتكار.

ورغم ذلك حقق العديد من الشباب العرب نجاحا كبيرا في الصين سواء في الدراسة أو الأعمال التجارية، إذ يقول الشاب اليمني مروان أحمد عقلان إنه لم يخطر بباله أنه سيكون يوما ما مواطنا فخريا في الصين، وأن ذلك سيكون بمثابة بوابة لتحقيق أحلامه وطموحه في النجاح كرجل أعمال. فبعدما وصل إلى مدينة شيشي بمقاطعة فوجيان بجنوب شرقي الصين عام 2001، لم يكن في جعبته سوى 400 دولار أميركي.

فرص واعدة

أضاف عقلان أنه تمكن من تأسيس أول شركة له بالصين في غضون 6 أشهر فقط من قدومه إليها، نظرا لوجود فرص تجارية استطاع أن يقتنصها بما لديه من خبرة في الأعمال التجارية وخصوصا في صناعة الملابس. وقتها؛ كانت مدينة شيشي بمقاطعة فوجيان في جنوب شرقي الصين قرية تابعة لمدينة جينجيانغ التي تعتبر من أكبر مراكز صناعة الملابس والأحذية في الصين، لافتا إلى أنها ورغم صغرها، كانت واعدة ومليئة بالفرص الناضجة، خاصة وأنها كانت وجهة لعدد كبير من التجار من كافة الأقطار لشراء البضائع التي تتناسب مع أسواقهم.

وأضاف التاجر اليمني أن فترة 15 عاما تعد قصيرة للغاية في عمر الدول والمدن، إلا أن النمو المدفوع بالإصرار على تحقيق المستحيل كان له العامل الرئيسي والمكون الأساسي لنقل قرية صغيرة لم يكن بها مستشفى وقتها، إلى واحدة من المدن التي نتباهى بإقامتنا بها.

وقال عقلان “أقمنا في هذا البلد لسنوات طويلة ونعيش في أمان، وهذه أكبر نعمة، وكأنه بلدك”.

19