المستقبل لا ينتظر

الاثنين 2015/05/18

بعد خمسة عقود من الآن، سينتقل معظمنا إلى ذلك العالم الذي ينعم فيه الجميع بالسّلام الأبدي. في ذلك الزّمن وفي مكان ما من هذا العالم الزّائل غير الآمن، ستختفي الكثير من الثّرثرات، ويعتكف أحد كبار المؤرخين لكي يكتب فصلا عن الثورة السورية. سيكتب على الأرجح إحدى الفقرتين التّاليتين:

الفقرة الأولى؛ صنع الشّعب السّوري ثورة تكالبت عليها شياطين الأرض وآلهة السّماء، أفرغ عليها النظام كلّ مخزونه من البراميل المتفجرة، أحاط بها التّكفيريون من كل جانب، سحلوها في السّاحات ومرّغوها في الأوحال، تلقّت طعنات غائرة وأخرى غادرة، سقطت على الأرض مرارا ثم نهضت مرارا، وما كادت تقف مجدّدا حتى طاف بها الطائفيون، وغطاها المشيعون بكفن السواد، ثم عرضوها للبيع في أسواق النّخاسة. طالت سنوات الحرب حتى سئم الكل من الكل، ثم جاء الفرج، سقط نظام الأسد في ظروف لا يزال يكتنفها الغموض.

وما أن انتهت ساعة الاحتفال بالنصر حتى فتحت جهنّم أبوابها، وكانت أوقاتا عصيبة، كادت تنفجر فيها حرب يوم القيامة بسبب النعرات الطائفية التي زرعها النظام البائد معوّلا على إيران وحزب الله، وزرعها التكفيريون معولين على كهان الشريعة وتجار الجهاد وسماسرة الزّكاة و”العاملين عليها”. غير أنّ الثوار كانوا على موعد مع التاريخ، فأدركوا دقة المرحلة وأسرعوا نحو تطبيق العدالة الانتقالية، وكان ذلك امتحانا لمقدرة الإنسان على تجاوز الهمجية الكامنة فيه، كانت دليلا على رقيّ الإنسان السّوري ونجاحه في تخطي مشاعر الثأر والانتقام. أدار النّشطاء ملفّ الإنصاف والمصالحة، قاوموا العوائق، فأدخلوا سوريا إلى عهد جديد من السلم والنّماء، وقدّموا للبشرية نموذجا رائدا في قدرة الشعوب على طي صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل.

الفقرة الثانية؛ انطلقت الثورة السّورية من درعا، وكانت ثورة مدنية ضدّ أجهزة القمع التي كانت تطحن العظام، وتأخذ الأخ بجريرة أخيه، والوالد بجريرة ولده، بدعوى الممانعة والمقاومة وتحرير فلسطين. في المقابل، لم تكن الثورة تطالب بغير الحرية والكرامة والعدالة، لكنها أمام قسوة النظام سرعان ما تسلّحت ثم تأخونت ثم تدعوشت.

انزاحت الثورة السورية عن مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى شعارات الخلافة وتطبيق الشريعة وتدمير كل الآثار والمتاحف، أبادت علامات التاريخ والجغرافيا، وأكملت بذلك مهمة التتار في سحق البقية الباقية من حضارة كانت تسمّى بالحضارة الإسلامية. تحولت الثورة السورية، من ثورة شعبية إلى حرب دينية وطائفية يأكل فيها الأخ لحم أخيه، ويرتعب الجميع من الجميع.
وبعد سنوات من الحريق الأعمى سقط حكم الأسد وآل الأسد، احتفل الناس بعض الوقت، غير أن قادة الثورة لم يكونوا في المستوى فقد استمروا في تأجيج النعرات الطائفية الانتقامية وفتحوا بذلك كل أبواب جهنّم، انفلتت غرائز التوحّش من عقالها، وصار الكل يُخَون الكل، والكل يُكَفر الكل، والكل يَقتل الكل، من أجل الهوية، من أجل الدين، من أجل شبر من الأرض، ومن أجل لا شيء. ودامت الحرب الأهلية الطاحنة لأزيد من ثلاثين عاما، اتسع مداها إلى دول مجاورة، ثم انتهت إلى تقسيم سوريا إلى خمس دويلات صغيرة ينكّد بعضها على بعض.

ما هي الفقرة التي سيكتبها ذلك المؤرخ؟ لا أحد يملك اليقين، غير أن الجميع بوسعه المساهمة في أحد الخيارين. وفي كل الأحوال، هناك شيء واحد نعرفه ويعرفه الجميع:

المستقبل ليس غدا لكنه الآن، المستقبل هو كل ما نقوله ونفعله الآن، المستقبل هو كل ما ندركه ونتعلّمه الآن، المستقبل هو كل ما نريده ونأمله الآن؛ لكن المستقبل هو كل ما نهمل قوله ونغفل عن فعله ونترك طلبه وننسى تعلمه. المستقبل مسؤولية تتوزع في الزمن الحاضر على ثلاثة ضمائر: أنا وأنت ونحن.

بكل تأكيد ستكون سوريا داعش أسوأ من سوريا الأسد، ستكون سوريا النصرة أسوأ من سوريا الأسد، ستكون سوريا الميليشيات التكفيرية وقطاع الطرق أسوأ من سوريا الأسد. لكن بكل تأكيد ستكون سوريا السوريين الخيار الأفضل والأعدل. وما ذلك على الله وعلى السوريين بعزيز.

كاتب مغربي

8