المستقبل لفن إنساني

الاثنين 2015/04/27

يبدو مصير الفنانين اليوم غامضا، فالمال أحكم قبضته على كل المنافذ. إنه المال الثقافي الذي ينافس المال السياسي في قوته ونفاقه ورغبته في صناعة عالم، يكون تحت السيطرة دائما ومن خلال مؤسسات استطاعت عبر عقود من العمل أن تستولي على الإعلام وتجعله مبشرا بمشاريعها التفاعلية.

وهي مشاريع، ما أن يتفحصها المرء حتى يدرك أن محو الذاكرة الثقافية هو الهدف الأكثر بروزا من بين أهدافها. لم يعد فجائعيا أن تلتقي صاحبة قاعة فنية في لبنان لا تعرف من هو أمين الباشا. تقول لك إنها ليست معنية بالماضي، وهي لا تعرف أن الباشا لا يزال يرسم بيروت ليحميها من الغياب. هل صار التجهيل غاية ثقافية؟ أعتقد أن كثيرا من المؤسسات الفنية التي صارت تحظى بالدعم المالي الكبير إنما تعمل من أجل إشاعة الجهل بين الفنانين.

وهو ما حوّل الفنان إلى خادم وضيع، تستطيع من خلاله تلك المؤسسات الوصول إلى أهدافها، وكما أرى فإن خادما من هذا النوع لن يكون مطمئنا إلى مستقبله، ذلك لأن المؤسسة التي تستخدمه ستستبدله ما أن تعثر على شخص آخر، يكون أكثر كفاءة منه في تنفيذ أوامرها.

هي متاهة أخلاقية يعيشها فنانو اليوم، ولن يتمكنوا من الخروج منها سالمين. ولكن هل سيكون المستقبل رهين دروب تلك المتاهة إلى الأبد؟ لن يكون صحيحا في أن نثق بما نراه.

البشرية اليوم تعيش وضعا إشكاليا، صار المال يلعب دورا كبيرا في رسم خرائطه، ولكن المال ليس كل شيء، نحتاج إلى المال لكي ننفقه في حاضرنا، ولكننا نحتاج إلى الفن لكي يرعى مستقبلنا. فكيف يمكن أن تستقيم معادلة الفن والمال، حيث لا يمكن أن تستقيم معادلة الحاضر والمستقبل؟

جهلة الماضي الفني لا يمكنهم أن يكونوا أسياد المستقبل، إلاّ إذا نجحوا فعلا في صنع شعوب بلهاء، يمكن تحريكها من بعد عن طريق أدوات السيطرة، يومها لن يكون الفن موجودا، وحين لا يكون هناك فن فإن البشرية لن تكون موجودة.

كاتب من العراق

16