المستقبل يبدأ اليوم

"سقى الله تلك الأيام" عبارة يرددها الناس بكبيرهم وصغيرهم، ويتوارثونها جيلا بعد جيل. ولكن، أين هي "تلك الأيام".
الثلاثاء 2021/02/09
عن أي أيام تتحدثون؟

الذكاء الاصطناعي في العالم المتقدم فاق الخيال العلمي وتركه يزحف خلفه، وصار يطرح أسئلة أخلاقية تبدو مشروعة في بعضها، لكن سوف تجد لها حلولا عندهم بالتأكيد على شكل مواثيق وضوابط وقوانين على غرار مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، أما في البلدان المتخلفة التي يعشش فيها الجهل والتطرف فستكون أول من يلعن الذكاء الاصطناعي على المنابر وأول من يستخدمه لإذكاء نيران الفتنة والتحريض على الكراهية، بعد أن يتلقفوا مفرداته كـ”غنيمة حرب”.

كأنّنا قد أدمنّا ـ ومنذ فجر التاريخ ـ ندب حاضرنا والهلع من مستقبلنا.. مع الكثير من التحسر على ماضينا والحنين إليه.

“سقى الله تلك الأيام” عبارة يرددها الناس بكبيرهم وصغيرهم، ويتوارثونها جيلا بعد جيل. ولكن، أين هي “تلك الأيام” التي لم توجد ولم تزدهر إلا في اللغة. حتى الأطفال، وربما الرضع أيضا، يرددونها في زفرة وتنهيدة طويلة فنفهم منهم عندئذ أن “تلك الأيام” قد عشناها ولكن ليس على وجه البسيطة بل في أمكنة أخرى تتعلق بالأرحام الحاضنة والجنان التي فقدناها مرة واحدة وإلى الأبد.

كأن إنسان شرقنا العربي على وجه الدقة والخصوص، قد وجد ليقرع نواقيس الخطر والنفخ في نايات الشجن والحنين، أما الحاضر فيهرب منه ويلعنه مثل شبح أو شيطان رجيم.

أما المجتمعات التي نالت اليوم نصيبها من التقدم والرفاهية بعد سنوات الجمر فغالبا ما نظرت إلى ماضيها بغضب شديد، وبالكثير من أخذ العبرة في سبيل “مستقبل يدوم أطول”، على حد تعبير المفكر الفرنسي ألتوسير.

يجب أن نعترف بأن قسما كبيرا منا ما زال يرفض العيش في الحاضر ويخشى ويتوجس من المستقبل الذي يعلن سلفا أنه لن ينتمي إليه. صحيح أن مخاوف البشرية من مستقبل هذا الكوكب هي في محلها، وتبدأ من الانحباس الحراري لتصل إلى الأوبئة والحروب الفايروسية، لكن أصحاب سلطة العلم والمال يتسلحون ويتهيأون لمجابهة أسوأ الاحتمالات، حتى أنهم يفكرون في مستوطنات خارج هذا الكوكب الذي لم يعد أزرق اللون، أما البقية الباقية ففي أفضل حالاتها سوف ترث أرضا تنعدم فيها أسباب الحياة.

أيها الذين يرددون عبارة “سقى الله تلك الأيام” صبحة وعشيا، عن أي أيام تتحدثون؟ عن أزمنة القتل والرعب والسبي؟ عن سنوات القمع وكم الأفواه وقطع الأعناق والأرزاق؟ أم عن العصر الذي كان الواحد يقف فيه بالطابور لأجل إجراء مكالمة تليفونية أو بعث رسالة بريدية أو طلبا لمعاينة طبية؟

الحقيقة أن المستقبل يبدأ الآن، ولا عزاء للواقفين على أطلال الرماد.

24