المستنقع وميليشياته

أي فسحة للتحرر من الاستبداد في بيئات مأزومة كهذه، لن توفر نموذجا للحرية ولا لبناء تجربة ديمقراطية، ولكنها سوف تفتح الطريق إلى المستنقع، حيث تتفسخ الشروخ الاجتماعية وتتحول إلى ميليشيات.
الاثنين 2019/01/21
نظام استغل تشرذم معارضيه

أفضل حلفاء الرئيس السوري ليسوا هم الروس ولا الإيرانيون ولا حتى ميليشيات حزب الله ممن قاتلوا إلى جانب قواته، بل هم معارضوه. وذلك ليس لأنهم انزلقوا إلى رفع السلاح، وليس لأنهم فتحوا الطرق لدخول إرهابيين من كل أرجاء الأرض، وليس لأنهم حوّلوا الصراع من معركة وطنية ضد الطغيان إلى معركة طائفية، ولكن لأنهم لا يعرفون ماذا يريدون، ولم يكن بوسعهم أن يتوصّلوا إلى رؤية مشتركة حول ما يجب أن تكون سوريا عليه، “بعد سقوط النظام”.

ولو أن النظام كان قد سقط فعلا بعد أن تمّ طرده من ثلاثة أرباع مساحة البلاد، فإن التنازع الدموي ما كان ليهدأ على الإطلاق. بل لربما كنا قد رأينا من المجازر ما لم نره من قبل.

بانحسار ماكينة القمع وانسحاب الدكتاتورية من مناطق واسعة، نشأ بديل تلقائي، إلّا أنه لم يكن ديمقراطيا، بل ميليشيوي. واحتكرت كل جماعة قطعة أرض خاصة بها لتمارس عليها سلطتها. وبدلا من طاغية واحد، صار لدينا العشرات من الطغاة. وكان من الطبيعي لذلك الطاغية الواحد أن يكسب، ليس لأنه عبقري، بل لأن خصومه أصحاب هويات متنازعة.

لماذا لم تنشأ صورة، أي صورة، للديمقراطية في سوريا “المحررة”؟ ولماذا انقلب “التحرر” من سلطة الاستبداد إلى سلطة استبداد ليست أقل سوءا؟ ولماذا غلبت العقلية الميليشيوية على المسعى الوطني لبناء سوريا جديدة؟

السبب لا علاقة له بالضرورة مع السوريين أنفسهم كأفراد، أو بثقافتهم، أو بمستوى وعيهم السياسي. وفي الحقيقة فإن فيهم، كما في كل شعب آخر، من يحسن أن ننحني احتراما لعمق وعيه وسعة علمه. إلا أن تكوينهم الاجتماعي لم ينضج إلى الحد الذي يجعل من خلائطهم “مجتمعا” حقيقيا.

هناك، في الغالب، خطوط عامة، عريضة، ومشتركة، هي ما يصوغ الوعي الاجتماعي. فيجعل الكل نوعا من أنا، والأنا نوعا من كل. إنه شيء يعمل عمل الإسمنت. كما أنه شيء يجعل المجتمع يعرف نفسه، كما يعرف ماذا يريد. إنه ذلك الشيء الذي يجعل المجتمع يعرف ممنوعاته أيضا، فلا ينزلق في متاهات مظلمة، أو يغرق في مستنقعات فوضى.

واضح الآن، أن هذا المجتمع غير موجود في سوريا. كما أنه غير موجود في العراق، ولا هو موجود في بلدان شتى من العالم العربي. وكل كلام عنه هو مجرد مزاعم تكاد لا ترقى حتى إلى “واقع افتراضي”.

لقد سعى النظام الملكي في العراق إلى بناء مجتمع. إلا أنه فشل فشلا ذريعا. وظلت العشائرية والطائفية قوة غالبة في بناء “الصورة” الذاتية لكل شرخ من شروخ التكوينات الاجتماعية.

وقفزت الحكومات التالية، ذات الدوافع الأيديولوجية المختلفة عن هذه المشكلة، بأن حاولت توحيد العراقيين، ليس مع بعضهم البعض، بل مع كيان افتراضي آخر، أعلى. القوميون ذهبوا بهم إلى “الأمة العربية”، والشيوعيون ذهبوا بهم إلى “الأممية البروليتارية”. لقد أرادوا أن يرتقوا الخرق بخيوط من نسيج آخر.

هناك اليوم من يتحدث عن “مجتمع مدني” أيضا، ويُنشئ منظمات تحت هذه اليافطة. ليس من أجل أن يبدو طريفا أو “حداثيا”، بل لأنه يعتقد تماما بوجود “مجتمع”، و”مدني”.

ولكن هذا “المجتمع” المزعوم لم يفعل فعله على الإطلاق في بناء رؤية اجتماعية أو مدنية للسلوك السياسي ولا لطبيعة السلطة. ولم يشكل حائلا دون كل أوجه الانحطاط الذي تغرق فيه البلاد. وبدا وكأنه مجرد مشروع هزلي على مسرح لا يعرف فيه أحدٌ حتى نفسه.

الذين يتغنون بالمطالب الديمقراطية لم يلاحظوا هذا الشرخ الخطير. ولهذا السبب، فإنهم لا يستطيعون أن يفسروا كيف أن فسحة الحرية التي أتيحت لمعارضي الاستبداد في سوريا تحولت إلى فسحة لبناء ميليشيات وعصابات.

الأمر نفسه حدث في العراق. إذ سرعان ما غلبت المليشيات على النظام “الجديد” ولكن ليس بسبب دعم إيران لها فقط، وإنما لأن “مجتمع” الشروخ العراقي سمح لها بذلك أيضا. ولو كان هناك مجتمع جدير بهذه التسمية لما غطس في مستنقع الطائفية ولا ركب طشت إيران فيه.

وجود “وعي اجتماعي” يعني وجود قائمة ممنوعات ومقبولات اجتماعية. هذا هو أبسط وجوه الهوية. إنها ما يعرفه المجتمع عن نفسه. إنها صورته التي لا يستطيع لها تبديلا إلّا عبر مسار تاريخي طويل يعيد تشكيل تلك الصورة بإضافات أو تحسينات تلائم تغيّرا ماديا ما.

أستطيع الزعم أن أي فسحة للتحرر من الاستبداد في بيئات مأزومة كهذه، لن توفر نموذجا للحرية ولا لبناء تجربة ديمقراطية، ولكنها سوف تفتح الطريق إلى المستنقع، حيث تتفسخ الشروخ الاجتماعية وتتحول إلى ميليشيات. وسواء أكانت مسلحة أم غير مسلحة، فإنها في النهاية ميليشيات، تقود الجميع إلى الجحيم.

انظر إلى فسحة التعبير عن النفس التي أتيحت في الجزائر في أوائل التسعينات من القرن الماضي. فماذا سترى؟ لقد تحولت إلى حرب أهلية. لماذا؟ لأن الطبيعة الميليشيوية للسلطة والمعارضة لم تملك أن تذهب إلّا في هذا الطريق. وحتى عندما غلب أحد هذين الطرفين، فإن الطبيعة الميليشيوية ظلت قائمة في العلاقات بين الأحزاب التي ورثت المنعطف.

ولهذا السبب نفسه، تتحول “الجبهات الوطنية” إلى مهازل. لأنها دائما ما كانت تعبيرا عن احتياجات طارئة، ولم يكن بوسعها أن تكون جبهات رؤية مشتركة راسخة. ذلك لأن كل طرف من أطرافها يتصرف وهو فيها، وكأنه شرخ قائم بذاته. هكذا، يستطيع الرئيس السوري أن يهنأ بطغيانه ما شاء له الهوى، ليس لأن روسيا أو إيران تدعمانه، بل لأنه الشرخ الأقوى وسط شروخ متنازعة مع بعضها، لا تعرف من هي، ولا ماذا تريد.

متى ما يتعرف السوريون على بعضهم البعض كسوريين (أو كأبناء مجتمع واحد)، ومتى ما كانت لهم قائمة ممنوعات ومقبولات مشتركة، فإن مستنقع الطغيان سوف يجف من تلقاء نفسه.

على هذا الأساس أقول: أخي “الديمقراطي” قبل أن تدفعنا إلى الجحيم، أرجوك أن تنظر في حال “المجتمع”، فإذا وجدته زريبة هويات متنازعة، فتريث، ريثما تعثر له على حجر أساس يصلح للبناء فوقه.

وهذا يعني أنك، في الحقيقة، أمام مهمة أخرى أهم: أن يكون المجتمع مجتمعا لا زريبة تصلح لكل أنواع الكائنات. عندما تكون في مستنقع، يحسن أن تجففه أولا، قبل أن تبني فيه عمارة أحلام وأوهام.

9