المستوى الاجتماعي المرموق للآباء لا يضمن بالضرورة مستقبلا مبهرا للأبناء

توقعات الآباء بنجاح أبنائهم يمكن تحقيقها بغض النظر عــن الدخل والعائدات المالية.
الخميس 2021/04/22
الوضعية المادية للآباء ليست محددا أساسيا لتفوق أبنائهم

يتفق علماء النفس والاجتماع والتربية على أن المستوى الاجتماعي المرموق للآباء لا يضمن بالضرورة مستقبلا مبهرا للأبناء. فتوقعات الآباء بنجاح أبنائهم في مختلف أوجه الحياة يمكن تحقيقها بغض النظر عما يوفره الوالدان من الدخل المادي وطريقة العيش والمكانة الاجتماعية.

اهتم علماء النفس التنموي بكيفية تأثير الآباء على مستقبل الأبناء. ومع ذلك، يصعب كثيرا العثور على السبب والنتيجة الفعلية بين الإجراءات المحددة للوالدين والسلوك اللاحق للأطفال. ذلك أنه يمكن لبعض الأطفال الذين نشأوا في بيئات مختلفة بشكل كبير أن يكبروا في ما بعد ليصبح لديهم شخصيات متشابهة بشكل ملحوظ.

وعلى العكس من ذلك، يمكن للأطفال الذين يتشاركون في المنزل ونشأوا في نفس البيئة أن يكبروا ليصبح لديهم شخصيات مختلفة تماما.

ويؤكد علماء الاجتماع على أنه ليس بالضرورة أن يكون للأب ذي المكانة المرموقة اجتماعيا أبناء من نفس درجة علمه أو ثقافته أو ماله.

وقال الدكتور الصحبي بن منصور إنه لا شك في أنّ ما يبلغه الرجل من مكانة مرموقة في مجتمعه كان نتاجا طبيعيا لتضحياته الجسام، فلا يمكن للثري أو للمثقف الكبير أو للسياسي الشهير أن يحصد المال أو المعرفة أو يستقطب الناس ما لم يمضي كل وقته بالليل والنهار في رعاية شؤونه التي انصرف إليها وحقق فيها سمعة واسعة الانتشار.

وأضاف لـ”العرب” أن معنى ذلك أنّ محافظة الرجل على ما بلغه من منزلة اجتماعية مرموقه تتطلب منه روح الاستمرارية في تعهد نجاحاته بالرعاية اليومية، وكل ذلك يكون بداهة على حساب نفسه وطبعا على حساب أفراد أسرته الذين إما أن يتكيفوا مع وضعيتهم تلك أو أن يظلوا في تمرد على قدرهم ذاك.

وقد يؤدي ذلك إلى إهمال الأبناء الذين قد لا يبلغون مستقبلا شبيها بآبائهم، وإنّما أدنى منه.

محافظة الرجل على ما بلغه من منزلة اجتماعية مرموقه قد تؤدي إلى إهمال الأبناء الذين قد لا يبلغون مستقبلا شبيها بآبائهم

وأشار بن منصور إلى أن العلامة عبدالرحمن ابن خلدون قد ترك في مقدمته تفسيرا لطبيعة مستقبل أبناء ذوي المنازل الرفيعة في المجتمع، معتبرا أن العز والمجد في العقب الواحد أربعة أبناء وهم: بان ومباشرٌ له ومقلّدٌ وهادمٌ.

بدوره أشار المختص في علم النفس أحمد الأبيض إلى أنه ليس بالضرورة أن الآباء الذين يمتلكون مستوى اجتماعيا مرموقا سيكون أبناؤهم مثلهم. وقال الأبيض لـ”العرب” “إن المستوى الرفيع للعائلات يمكن أن يتيح لأبنائهم فرصا أوفر مقارنة بأبناء العائلات الأخرى، لكن هذا ليس كافيا وليس ضامنا للنجاح في الدراسة أو تحقيق مستقبل واعد”.

وأكد على أن النجاح مرتبط بجانب ذاتي في الشخص مع بعض المحفزات، ذلك أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تحث على العلم سيرى نفسه عالما من العلماء، وسيسعى إلى أن يكون متميزا في المستقبل.

ولفت الأبيض إلى أن الآباء الذين يهتمون بإدارة شؤونهم المالية ويسعون لتحقيق نجاحات اقتصادية لا يكون لديهم الوقت الكافي لمراقبة أطفالهم والسعي إلى أن يكونوا متميزين مثلهم.

وتشارك العديد من العوامل في بناء مستقبل زاهر للأبناء، وعلى الرغم من انعدام وجود وصفة واحدة لتنشئة الأطفال ليصبحوا ناجحين فى المستقبل، أشارت بحوث علم النفس إلى وجود عدد من العوامل التى يؤدى توفرها إلى تنشئة الأطفال بشكل سليم، والتي قد يشارك فيها الوالدان بنصيب وافر.

ويشير خبراء إلى أن الوضع المادي للأسرة يلعب دورا كبيرا على مستوى وأساليب التنشئة الأسرية للأولاد. وتبيّن الدراسات العديدة أن الوضع الاقتصادي للأسرة يرتبط مباشرة بحاجات التعليم والتربية، فالأسرة التي تستطيع أن تضمن لأبنائها حاجاتهم المادية بشكل جيد من غذاء ومسكن ورحلات وامتلاك أجهزة إلكترونية تستطيع أن تضمن من حيث المبدأ الشروط الموضوعية لتنشئة سليمة، وعلى العكس من ذلك فإن الأسرة التي لا تستطيع أن تضمن لأفرادها هذه الحاجات الأساسية لن تستطيع أن تقدم للطفل إمكانيات وافرة لتحصيل علمي أو تنشئة سليمة، وبالتالي فإن النقص والعوز المادي يؤديان إلى شعور الأطفال بالحرمان والدونية وأحيانا إلى السرقة والحقد على المجتمع.

وربط خبراء بين تنشئة الطفل الاجتماعية منذ الصغر وبين نجاحه في المستقبل.

وقال باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا وجامعة ديوك ممن تتبعوا ما يزيد على 700 طفل من سن الحضانة حتى سن 25 أنه يوجد ارتباط قوي بين المهارات الاجتماعية للأطفال في سن الحضانة ونجاح هؤلاء الأطفال بعد مرور عقدين من الزمان.

وقالت كريستين شوبرت مدير برنامج لدى مؤسسة روبرت وود جونسون التي تولت تمويل البحث “هذه الدراسة تثبت أن مساعدة الأطفال على تنمية مهاراتهم الاجتماعية والانفعالية تعد واحدة من أهم الأشياء التي تعدهم ليصبحوا ناجحين مستقبلا. ومن سن مبكر تستطيع هذه المهارات تحديد ما إذا كان الطفل سيصبح طالبا جامعيا أم مجرما، أو إذا كان سينجح في الحصول على وظيفة أم سيصبح مدمنا”.

الآباء الذين يهتمون بإدارة شؤونهم المالية ويسعون لتحقيق نجاحات اقتصادية لا يكون لديهم الوقت الكافي لمراقبة أطفالهم والسعي إلى أن يكونوا متميزين مثلهم

وتشمل المهارات الاجتماعية التي يحتاج الأطفال لتعلمها في سن مبكر التعاون مع أقرانهم دون إيذائهم ومساعدتهم وتمكنهم من حل المشاكل التي تواجههم دون تدخل الآباء.

وتوصلت دراسة إلى أن الآباء الذين يتوقعون دخول أبنائهم الجامعة يتولون إدارة شؤونهم لتحقيق هذا الهدف بغض النظر عن الدخل والظروف الأخرى. وتم التوصل كذلك إلى أن نسبة 57 في المئة من الأطفال الذين اتسم أداؤهم بالسوء عندما بلغوا سن الرشد كان آباؤهم يتوقعون دخولهم الجامعة، بينما تبين أن نسبة 96 في المئة من الأطفال الذين تفوقوا في الكبر كان آباؤهم يتوقعون دخولهم الجامعة منذ الصغر.

كما يساعد عمل الأمهات الأطفال على النجاح في الكبر ذلك أن بنات الأمهات العاملات يذهبن إلى المدارس لفترة زمنية أطول، كما تتزايد احتمالية حصولهن على وظيفة إشرافية والحصول على أجور أكبر بنسبة 23 في المئة مقارنة ببنات الأمهات اللواتي لا يعملن.

ويشير خبراء العلاقات الأسرية إلى أن الأطفال الذين يحصلون على رعاية جيدة خلال السنوات الثلاث الأولى من حياتهم يحققون نتائج أفضل في الاختبارات الدراسية في فترة الطفولة، كما يتمتعون بعلاقات أفضل مع الآخرين ويحققون نتائج دراسية أفضل في الثلاثينات من أعمارهم. وقال الباحث لي رابي إن ذلك يعني أن الاستثمار في العلاقات الودية بين الطفل والوالدين خلال السنوات المبكرة من العمر يؤدي إلى تحقيق نتائج جيدة على المدى الطويل. وتشمل العلاقة الجيدة مع الوالدين الاستجابة الفورية والسليمة لاحتياجات الأطفال وتزويدهم بأسس تمكنهم من النجاح في المستقبل.

وأثبتت أبحاث جديدة أن الحياة الاجتماعية للأطفال أكثر ثراء وتعقيدا مما يظن الآباء. إذ أدرك الباحثون أن مسؤولية رعاية الطفل لا يتولاها شخص واحد فقط، واهتموا بدور الآباء والأجداد وأزواج الأمهات في التربية السليمة للطفل.

ويقول مايكل لامب عالم نفس من جامعة كامبريدج “كنت أحاول أن ألفت الأنظار طيلة 45 عاما إلى وجود علاقات أخرى مهمة تسهم في تشكيل شخصية الطفل منذ الصغر”.

21