المستوى العلمي للوالدين ليس عامل نجاح أكيد في تربية الأبناء

الأحد 2017/01/08

عندما يحمل الوالدان تفاصيل وتقنيات أعمالهما ومهنتهما معهما إلى البيت ويتسرب تأثرهما بها إلى طريقة تعاملهما مع أبنائهما، فلا شك أنها ستترك بصمتها على تربية الأبناء وفي الأسرة عموما. آثار تتراوح بين الإيجابية والسلبية. ويبدو من خلال دراسات المختصين في الأسرة والتربية وعلم الاجتماع أن المستوى التعليمي المرموق للأم والأب يسهل عليهما تربية أبنائهما وتوجيههم إلى طريق النجاح في الدراسة وفي الحياة.

لكن برأيي فقد أهمل هؤلاء المختصون البحث في الآثار السلبية لثقافة الوالدين ولطبيعة أعمالهما على أبنائهما، فمثلا عندنا في تونس يقال على الطفل قوي الشخصية أو العنيف إنه “تربية مليتار”، أي أن تربيته عسكرية لأن والده مثلا ينتمي إلى الجيش أو الأمن، وهذا الوصف يضمر نقدا لأسلوب تربية رجال الأمن أو الجيش لصغارهم، حيث يكونون قساة معهم ويبالغون في تعليمهم النظام والانضباط إلى درجة تنمّي لدى الابن شخصية قاسية ومعقدة تعبر عن نفسها بلغة العصا والعنف. وقليلا ما يُستشهد بهذا الوصف للثناء على الطفل إذا اتصف بالانضباط في سلوكه.

هذه إحدى المهن التي تترك في بعض الحالات أثرا سيئا على سلامة تربية الأبناء وغيرها الكثير. شخصيا لاحظت هذا الأثر في أرقى المهن في المجتمعات العربية مثل الطب. ففي إحدى المناسبات زارتني صديقة للعائلة، وهي طبيبة مختصة في أمراض العيون. وهي أم لبنت عمرها سبع سنوات وولد عمره ثلاث سنوات صادفت زيارتها برفقة أبنائها إلى بيتنا أن كان العشاء طبق معكرونة باللحم ولاحظت ونحن على طاولة الأكل أن ابنها الصغير كان يتعمد تعبئة ملعقته الكبيرة ويتناولها بسرعة ونهم كبيرين.

سألتها على طريقة أكله هكذا؟ فأجابتني بابتسامة واثقة “لأنني لا أطعمهم المعكرونة باللحم هكذا، لأنها طبق دسم وغني بالدهنيات والمعجنات التي قد تسبب لهم أمراضا مثل السمنة وغيرها..”. في الواقع لاحظت منذ البدء أن طفليها نحيفان جدا. وبعد حديثي مع زوجها فهمت أنه والطفلين يعانون من هوسها بالأكل الصحي إلى درجة أنهم أصبحوا يشعرون بالحرمان ويشتهون الأكلات التونسية التقليدية والعادية التي يتناولها الجميع. وأكد لي الزوج أنه بقدر ما يفرح عندما يستضيفه أحد الأصدقاء والأقارب، إلا أنه بات يشعر في الوقت نفسه بالحرج عندما يلاحظ المستضيفون إقبال أطفاله وسعادتهم بالأطعمة التي تقدم لهم وكأنها من العجائب بالنسبة إليهم.

لفت هذا الحوار البسيط انتباهي للتمعن في علاقة عمل الوالدين بمؤهلاتهما في تربية الأبناء فكيف لأم أن تحرم أبناءها من تناول الطعام الذي يرغبون فيه لو لم تكن مهووسة بالخوف من الأمراض بسبب مهنتها كطبيبة رغم أنه بإمكانها أن توفر لهم غذاء صحيا دون حرمانهم من تناول ما يريدون ولو لمرة واحدة في الأسبوع. التفكير في هذه العلاقة، وهي تفصيل صغير قد يوجد لدى بعض الأولياء الذين خلفت طبيعة أعمالهم عقدا نفسية أو اضطرابات سلوكية لديهم، دفعني إلى القيام ببعض المقارنات في علاقة بأن المستويين التعليمي والاجتماعي لديهما دور هام في تربية الأبناء.

والديّ مثلا لم يكن لديهما مستوى تعليمي عال، لكني أشهد لهما بأنهما ربياني وإخوتي تربية ليست مثالية ولكنها جيدة بالمقارنة مع أراه اليوم من أساليب تربوية خاطئة يتبعها الكثير من الآباء والأمهات الذين لديهم مستويات تعليمية عالية أو مهن مرموقة. فنحن عندما كنا صغارا تربينا على الاعتدال في كل شيء وعلى القناعة بالمتوفر في وسطنا الريفي الذي لا يعترف بنمط المعيشة المعاصر القائم على المطاعم والفضاءات الترفيهية. كنا نعيش ببساطة، نقتات من خيرات أرضنا، نأكل الثمار والخضروات “من أمها”، كما يقال، نقطفها وننظفها ونتناولها طازجة.

لم نكن نعرف أنواع الخبز الكثيرة وباهظة الثمن المنتشرة اليوم. كانت أمنا تعد لنا الخبز في البيت من قمح وشعير مزارعنا. ببساطة كنا نتبع نظاما غذائيا طبيعيا مئة بالمئة، وحتى لعبنا كان يقوم على ما نصنعه ونبتكره بأنفسنا. هذا النمط المعيشي القائم على الطبيعة أصبح اليوم مطلوبا في أكثر دول العالم تقدما التي اتجهت إلى البحث في الأغذية البيولوجية وفوائدها الصحية وعن طرق اللعب للأطفال التي تقوم على تطوير مهاراتهم اليدوية في الابتكار انطلاقا من مواد أولية بسيطة.

اليوم اختلطت الأمور على الآباء والأمهات أمام ضغط الوقت وأعباء الأعمال والمشكلات اليومية وضاعت عليهم طرق التربية المثلى بقطع النظر عن مستوياتهم العلمية أو الاجتماعية، فنجدهم عاجزين عن انتقاء العادات التربوية الصحيحة بين ما ورثوه من أمهاتهم وآبائهم وأجدادهم من جهة وبين ما يفرضه عليهم التطور الذي يشهده العصر الحديث، وما تمليه عليهم ثقافتهم وتكوينهم الخاص وطبيعة أعمالهم من جهة أخرى.

صحافية من تونس

21