المسحراتي.. هتافات روحانية على ضوء القناديل

الجمعة 2013/07/26
نداء المسحراتي تصحبه التهليلات والأناشيد الدينية

القاهرة – عرفت مصر المسحراتي عام 832 هـجريا، وكان الوالي عتبة بن إسحاق أول من قام بعملية التسحير، وهو يردد نداءات التسحير على ضوء القنديل، بينما يسير من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، مما يؤكد أن هذه المهنة كان لها احترامها ووقارها، حتى أن الوالي كان يقوم بها، ويحرص على الخروج كل ليلة في برد الشتاء أو حر الصيف، ليوقظ النائمين لتناول وجبة السحور والتأهب لصلاة الفجر.

ويرجح المؤرخون أن ظهور الوالي "المسحراتي" في مصر، والتفاخر بهذه المهنة، يعود إلى أن أول مسحراتي عرفه التاريخ الإسلامي، كان بلال بن رباح مؤذن الرسول الذي كان يجوب الطرقات لإيقاظ المسلمين، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن بلال لا ينادي بالليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم كتوم وكان يؤذن لصلاة الفجر، وحتى القرن الثامن الهجري كانت القناديل التي تعلق فوق المآذن هي التي تحدد للناس مواعيد السحور والإمساك، فإذا كانت مضاءة كان موعد السحور، وإذا أطفئت كان ذلك إيذانا بأن الفجر اقترب.

ويذكر الأدب الشعبي أن العصر الفاطمي شهد مسحراتي يدعى "أبو نقطة"وكان يشتهر بحلاوة صوته، وأسلوبه العذب وقدرته الفائقة على إرتجال الزجل، حتى أن الخليفة أمر بإحضاره إلى حديقة القصر يوقظه وقت السحور.

ولعب المسحراتي دورا هاما خلال التاريخ الإسلامي، ليصبح فيما بعد من الشخصيات الشعبية المحبوبة، والتي تعبر عن التراث، وتعرفها جميع طوائف الشعب في مصر والعالم العربي والإسلامي.

وقد بهرت هذه الشخصية الرحالة والمستشرقين، الذين زاروا مصر خلال القرون الماضية، مثل المستشرقين الإنكليزي "إدوارد لين"، حيث توقف عند شخصية المسحراتي، ودوَّن عنه بعض الصفحات في كتابه "المصريون المحدثون" والذي شمل طبائع وعادات وتقاليد المصريين في القرن 19.

ولا زال المسحراتي المصري يستخدم الطبلة في تسحير النائمين، بخلاف الأقطار العربية الأخرى التي تستخدم "الطار" و"المزمار" مثل أهل اليمن، أو تستخدم النفير والأبواق مثل أهل الشام .

وإذا كان المسحراتي في القرية أو المدينة يستخدم الطبلة لإيقاظ النائمين، فتلك المهمة تقوم بها الكشافة في دولة أندونيسيا.

فوانيس رمضان وفرحة شهر الصيام

ولم يعرف بلد آخر سوى مصر "المسحراتية" أو المرأة التي تقوم بالتسحير، ففي عهد أحمد بن طولون كانت النساء يقمن بعمل المسحراتي حيث كانت كل امرأة تنادي على جارتها من نافذة منزلها لإيقاظها.

ويختلف أداء المسحراتي من شخص إلى آخر، فهناك المسحراتي خفيف الظل، الذي يتجاوب الناس مع نداءاته، ولا يغادر مكانه إلا بعد تأكده من استيقاظ النائمين، بل قد يتبادل التحية والتعليقات الطريفة مع صاحب البيت.

ومن جانب آخر نجد المسحراتي الذي يؤدي مهمته في وقار ودون أن ينتظر محادثة أحد، وفي أغلب الأحيان يمضي دون أن يكون أهل البيت قد أفاقوا من نومهم .

وحين يوشك الشهر على الانتهاء يبدأ المسحراتي في ترديد نداءاته "يوحش رمضان" فيقول : "لا أوحش الله منك يا شهر الصيام… لا أوحش الله منك يا شهر الكرم والجود والإيمان".

20