"المسحراتي" ينبه الصائمين ويصارع التكنولوجيا

الأحد 2014/07/13
المسحراتي ينعى مهنته الآيلة للزوال ويتخيل الشوارع التي ستخلو يوما من صوته وقرعاته

لندن - 1197 رمضانا عمر مهنة المسحراتي حتى يومنا هذا، شهدت مولدها ونموها.. فتوتها وأفولها.. حتى اقترابها من الاندثار.

أكدت الروايات التاريخية أن والي مصر، عتبة بن إسحاق، هو أول من طاف شوارع القاهرة ليلا في رمضان لإيقاظ أهلها من أجل تناول طعام السحور في العام 238 هجرية (853 ميلادية)، ليصير هو “المسحراتي” الأول.

“عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”، كان هذا نداؤه.. ومرت السنون ليتطور النداء ويصير أشهره “اصحى يا نايم .. وحّد الدايم” وتضاف أدوات الطبل والمزمار إلى صوته الجهير للمساعدة في تنبيه النائمين ليستعدوا للصيام.. بالماء والطعام.

وعلى مر العصور ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية بدأ المسلمون يتفنّنون في أساليب التسحير وظهرت وظيفة “المسحراتي” في الدولة الإسلامية في العصر العباسي، وفى العصر الفاطمي أمر الحاكم بأمرالله الفاطمي الناس أن يناموا مبكرين بعد صلاة التراويح وكان الجنود يمرون على المنازل ويدقون أبوابها ليوقظوا المسلمين للسحور، وبعد ذلك عيّن أولو الأمر رجلا للقيام بمهمة المسحراتي والذي كانت مهمته المناداة “يا أهل الله قوموا تسحروا”، وكان يدق أبواب المنازل بعصا يحملها.

وهكذا انتشرت المهنة وشهدت أوجها، وفي عديد أشهر رمضان مضت، لم يخل شارع عربي من “مسحراتي” يقرع طبلته قبل الفجر أو ينفخ مزماره، رافعا عقيرته بالنداء، قبل أن يفعل الزمان فعله، وتشيخ مهنة المسحراتي وتذوي مع مولد الأجهزة التكنولوجية الحديثة ومنبهاتها، ويختفي المسحراتي بشكل شبه كامل من دول الخليج العربي شرقا، بينما في شمال أفريقيا العربي غربا، يندر ظهور حامل الطبلة والمزمار في شوارع الأحياء الراقية، فيما لا يزال يكافح للبقاء في الأزقة الشعبية.

في مصر كادت عبارة “اصحي (استيقظ) يا نايم (نائم) وحّد الدايم (الله الباقي) ، رمضان كريم”، تختفي من شوارع وأزقة العاصمة والمحافظات، مع مهنة المسحراتي “التراثية” والسبب كما يرى مصريون كثر، يرجع إلى وجود وسائل تنبيه كثيرة متوفرة هذه الأيام سواء في ساعات اليد أو الهواتف الجوالة التي تعطي فرصة لضبط موعد استيقاظ الأسرة لموعد السحور وبعضها قد يكون مصحوبا بنغمة تحمل عبارات المسحراتي.

إلى جانب وسائل التنبيه التي حلت محل المسحراتي فهناك وسائل تسلية تستمر حتى وقت السحور وبعده في الإعلام المرئي لا سيما مع كثرة المسلسلات الرمضانية والبرامج الكوميدية التي عادة ما تأخذ مشاهدة عالية من جانب الأسر وتراها فرصة تستمر معها مستيقظة حتى تناول السحور وأداء صلاة الفجر.

وحتى في المناطق التي ما زالت المهنة حية فيها، فقد تغيرت ملامحها، حيث غاب الأطفال الملتفون حول المسحراتي والذين ينتظرونه في الشرفات يلقون إليه بالقطع المعدنية ليطالبوه بالنداء على أسمائهم.

أما الأردنيون فألفوا منذ عشرات السنين نداء “إصح يا نايم وحّد الدايم” في ليالي شهر رمضان الكريم.

ويرفض الستيني أبو رائد الزريقات استبدال “المسحراتي” بوسائل التكنولوجيا الحديثة، متمسكاً بما اعتاد عليه وعائلته للاستيقاظ في رمضان، طوال سنوات خلت، في استحضار لحياة الآباء والأجداد.

وهذا المسحراتي يوسف عبدالحافظ الطهراوي يكمل مشوار أبيه وأجداده في إيقاظ السكان في منطقة عرجان، إحدى ضواحي العاصمة عمان، مرددا بعض الأناشيد والتهاليل الدينية على دق الطبل رغم عمله في ساعات النهار سبّاكا.

يندر ظهور حامل الطبلة والمزمار في شوارع الأحياء الراقية فيما لا يزال يكافح للبقاء في الأزقة الشعبية

وفي إحدى جولاته المسائية فتح أبواب الذاكرة ليحدثنا عن مهنته التي لا يتقاضى عليها أجرا من الدولة، لكنه ينتهز آخر ليلة في شهر رمضان؛ ليجول على المنازل التي كان يوقظ ساكنيها، مهنئا بحلول عيد الفطر؛ فتنهال عليه العطايا والهدايا، في جو يغلب عليه طابع الألفة والمحبة.

يقرع المسحراتي طبلته الأثيرة إلى نفسه، بصحبة أطفال الحي الذين يرافقونه كل ليلة؛ ليحظوا بقرع الطبل بأناملهم الصغيرة مرة أو مرتين.

ويقول الطهراوي إنه يسعى أيضا من وراء جولاته المنتظمة بين المنازل إلى حماية المهنة الإسلامية من الاندثار، وحض الناس على التمسك بالقيم المجتمعية القديمة والتي ارتبطت بالشهر الفضيل.

الطهراوي في العقد الرابع من عمره، لكنه رافق والده منذ نعومة أظفاره، يقول: “علمني والدي المهنة وأنا طفل، وها أنا أصطحب ابني أسامة (5 سنوات) ليتعلم المهنة ويكمل المشوار”.

وقرب ضفاف المحيط الأطلسي، مع صوت أمواجه الخافت ليلا يضرب الشاطئ، وعلى ضوء مصابيح الإنارة الخافتة، يحثُ هو الخطو بين أزقة المدينة، كاسرا رتابة سُكون ليلها، ومُتنقلا بين أبواب منازلها، ليوقظ بطرق طبله الذي تضج به كل جنبات الزقاق، الصائمين لتناول وجبة السحور.

فعلى وقع إيقاعاته، وصدى نداءات “المسحراتي” تبدأ نوافذ الحي تباعا في إيقاد أنوارها، استعدادا لاستقبال فجر يوم صوم جديد.

ساعتان قُبيل موعد آذان الفجر، ينطلق “عمر الوراقي” (70 سنة) بحماسة بالغة كدأبه منذ أربعة عقود أو يزيد، متجولا بين أحياء مدينة الرباط الشعبية، مرفوقا بطبله الذي صاحبه لسنوات في آداء “واجب إيقاظ أهل الحي لتناول السحور وإقامة صلاة الفجر”.

وأوضح عمر قائلا: “منذ ما يقارب أربعة عقود وأنا أزاول هذه الحرفة، فمتى حل شهر الصيام، حملت طبلي جائلا بين الأحياء التي ألفني أهلها، واعتادوا الاستيقاظ لتناول السحور على وقع قرعاته”، ويضيف عمر وقد اعتمر طاقية صوفية وارتدى جلابية بيضاء، والتقف بكلتا يديه عصوين، كلما دق بهما طبله الجلدي، ردد عبارات الصلاة والسلام على الرسول، داعيا النيام إلى الاستيقاظ، فيما اختار انتعال حذاء رياضي حديث، يساعده حسب ما يروي في “قطع مسافات طويلة ” في ظرف ساعتين، قبل ظهور تباشير الفجر الأولى واقتراب موعد عودته لمسكنه.

هذه المهنة التي يقول “عمر” إنه بدأها هاويا في أيام الصبا والشباب، لينتهي مولعا بها، وقد زحفت به الأيام على أبواب الشيخوخة، لا يتخذها كحرفة يكسب منها قوت يومه بل هي في عُرفه “طقس رمضاني” ورثه عن أجداده، كمتعهد بإيقاظ جيران حيه والأحياء المجاورة عند السحور، فيخرج إلى الأزقة المظلمة وقد خلت من كل حركة، سواء صادفت ليالي رمضان أماسي الشتاء القارسة، أو أسحار الصيف الدافئة.

بعض المدن المغربية ما تزال أحياؤها العتيقة تصر على استعادة هذه العادة القديمة مع حلول كل شهر رمضان، ولا تستقيم طقوس هذا الشهر لدى ساكنيها دون صوت الطبل أو نفير المزمار النحاسي الذي يكسر دويُّه سكون الليل مؤذنا بقرب حلول الفجر.

بل إن “المسحراتي ” ارتبط في الذاكرة الشعبية لدى المغاربة بهالة قداسة استمدها من “بركة السحور” الدينية، فـ”الطبال” أو “النفار” يُؤدي في نظرهم “دورا جليلا” في إيقاظ الغافين في أفرشتهم لتناول هذه “الوجبة المباركة” والتحضير لآداء صلاة الفجر.

20