المسخ

الأربعاء 2015/09/16

لم يكن غريغور سامسا بطل رواية “التحول” لفانز كافكا، خنفساء في الأصل، كان آدميا سويا نذر نفسه لخدمة عائلته، وشراء ديونها عبر الخدمة المتواصلة كمندوب مبيعات، لشركة ألمانية شرهة، تراكم الفوائد والديون عند أقل تقصير، كان غريغور شخصا نبيلا، وكريما، ومتفانيا في أداء النذر الذي عليه، لكنه صبيحة يوم عاد، لم يكن سعيدا بالتأكيد، وجد نفسه عاجزا عن النهوض في الموعد من مرقده، وحين فتح عينيه، أحس أن جسده لا يستسلم لإرادته، لقد صار خنفساء ضخمة، بحجم الآدمي الذي كان عليه، إنما بإحساسه الأصلي، كانت صدمة لعائلته التي تخيلت ما وقع، ولم تقو في البداية على التنكر لأحاسيس القرابة، إنما طول المعاشرة ستحملها على النكران.

تذكرت تفاصيل هذه الرواية اليوم بعد الانتخابات الجماعية للرابع من سبتمبر بالمغرب، التي تمادت في الإطاحة بحزب يساري كبير طالما ألهم المغاربة، واستحوذ على عواطفهم وآمالهم، كان امتدادا لحركة التحرير والمقاومة، وارتبط لسنوات طويلة بنبض الشارع، كصاحب دين ورسالة، إلى أن بدأ التكوين السوي للحزب الفريد يمسخ عبر السنوات، ليتحول المناضلون والوافدون عليه إلى كائنات أخرى، فيها من الملامح الآدمية قدر، ومن السمات الخنفسائية أقدار جليلة، لم يتصدى لها المجتمع بالجحود أول مرة، ولا ثاني مرة، ولا في أمد قصير… وكانت الدهشة المواربة في البداية، عبر انتخابات تقلص فيها التفويض، وأملا طويل النفس بعد ذلك، حين شاءت إرادة الدولة أن تصطنع تداولا توافقيا للسلطة، ثم تعبا مفعما بالضغائن في النهاية، حين باتت الخنفساء جاحدة ومتوحشة وطاردة لأهل البيت كما في رواية فرانز كافكا.

اليوم توج المغاربة حزبا يمينيا محافظا، يتهمه الحزب اليساري باغتيال أحد قادته الملهمين، هو الشهيد عمر بن جلون الذي رثاه الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي بقصيدة مؤثرة حين كانت الأوجاع العربية مشتركة وقتيل “تطوان” يوجع أهل “صنعاء”، حيث قال الشاعر “يستطيع ابن جلون أن ينهض الآن/ فالشهداء يموتون كي يفرغوا للسهر/ عم مساء عمرا/ يتململ في رقدته عمر/ وينهض نصف نهوض/ محتضنا في يده قلبا/ أو عصفورا مبتلا/ ويصيح لصوت يعرفه/ يفاجئه الصوت الذكرى/ المهدي…”

بعد القنوط الطبيعي من الخنفساء التفت الوالدان، في رواية فرانز كافكا لجمال البنت التي كانت مجرد خادمة، تلك التي كانت تحمل الطعام لـ: غريغور سامسا أخوها الذي صار خنفساء، وتخدمه بتفان، قبل أن تقلب له ظهر المجن وتقنع الوالدين أن لا فائدة من الاستمرار في خدمة وحش يطرد الزائرين، التفتا لها في الأسطر الأخيرة من النص، وكأنها كائن جديد، هي مدينة بالطبع ومطوقة بالالتزامات.

كاتب من المغرب

15