المسرات المؤجلة

نحن كائنات هي عبارة عن صنائع تبحث عن معناها في مُطاردة الجمال الهارب. لذلك كان سيزان ضروريا لحياتي وكانت تفاحته بمثابة العنصر الذي يضع الصفر في مكانه وفق الوصفة التقليدية للرياضيات.
الاثنين 2020/04/06
تفاحة بول سيزان تصلح مادة للرسم فقط

أضع يدا على يد وأنا أنظر إلى ما صارت تقدّمه المتاحف العالمية من جولات افتراضية بين مقتنياتها من الأعمال الفنية. لقد توقّف البشر عن السفر. ليست هناك طائرات في السماء. غير أن المسافات ليست بعيدة. الحياة الحقيقية غائبة، غير أنها تملك المقوّمات التي تشير إلى أنها لا تزال قائمة في مكان ما.

لم يتخلّ عنا الأسلاف الذين صنعوا معنى لوجودنا. المتاحف مغلقة. أحن إلى السلم الذي يقودني في ناشيونال غاليري إلى القاعة التي تضم لوحات الفرنسي بول سيزان. كنت كل أسبوع أذهب لكي أتعرّف على أب الحداثة الفنية من جديد. تفاحته تسكن خيالي.

شيء من خلاصة حياتي يقيم في تلك التفاحة التي تبدو كما لو أنها ناقصة. لقد أرادها سيزان كذلك ليشير إلى العدم. هناك تفاح في الحقول وفي الأسواق، غير أن النظر إلى كل ذلك التفاح لا يمكن أن يغني عن النظر إلى تفاحة سيزان.

ذلك لأنها تعيدنا إلى فكرة الامتزاج بما لا يُرى من هيئة الشكل، وهي مُعادلة تعنى بالرسم باعتباره محاولة لتفسير علاقتنا بالأشياء من خلال التعلّق بأثر تلك الأشياء الجمالي. ذلك الأثر الذي هو أشبه بالفاصلة التي تقع بين الشهيق والزفير.

نحن كائنات هي عبارة عن صنائع تبحث عن معناها في مُطاردة الجمال الهارب. لذلك كان سيزان ضروريا لحياتي وكانت تفاحته بمثابة العنصر الذي يضع الصفر في مكانه وفق الوصفة التقليدية للرياضيات.

لا أقدم خطوة ولن أؤخر خطوة. كان سيزان قد عثر على الحل. هي ذي تفاحة ناقصة. لا تصلح للأكل ولا يمكن عرضها على مائدة باعتبارها أداة للزينة ولا يمكن إرجاعها إلى الشجرة.

تفاحة فالتة لا تقع في سلة ولا تستقر على منضدة ولا تُحمل في السفر. تفاحة تصلح مادة للرسم فقط. غير أن خيالها لا يتأخّر حين تبدو الحياة ناقصة.

فما من شيء مثل الرسم يُثري حياتنا بالصور التي تحثنا على التفكير في أن نمدّ أيدينا إلى الخفاء لالتقاط كنوز جمالية خفية. المتاحف مغلقة والمسرات مؤجلة.

16