المسرحية تسأل والجمهور يجيب

مسرحية "جمهورية الأرملة السوداء" تبث بأسلوب شيق رسائل وعظ اجتماعية وإنسانية عبر الحوار والرقص والحركة والموسيقى.
الأربعاء 2019/10/30
المسرح الجامعي نقطة البداية الواعدة

مازال المسرح يشكل حيزا هاما لدى الشباب العرب، وخير دليل على ذلك اهتمام الجامعيين في جل الدول العربية بتشكيل فرق مسرحية لتقديم عروض داخل الجامعة، الأمر الذي دفع العديد من البلدان، ومن ضمنها مصر، إلى تنظيم ملتقى خاص بالمسرح الجامعي، وهو ملتقى يقام للمرة الثانية بدعم من وزارة الثقافة ووزارة الشباب. ويأتي عرض “جمهورية الأرملة السوداء”، الذي قدمته جامعة بابل، كواحد من العروض الهامة، التي شاركت في الملتقى وحصلت على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

يعتبر المسرح الجامعي رديفا لأكاديميات الفنون في الوطن العربي. صحيح أن الطالب حين يعمل في المسرح الجامعي يكتفي بموهبته وبالخبرة التي سيحصل عليها أثناء تأديته لبعض العروض المسرحية، لكن التجربة، وعبر سنوات ليست بالقليلة، أكدت أن الكثير ممن أصبحوا نجوما في ميدان الفن والدراما، سواء في مصر أو سوريا أو العراق وحتى غيرها من البلدان، أتوا عبر بوابة مسرح الجامعة، من هذه النقطة بالذات نفهم تمسك الشباب بالمسرح الجامعي ونعرف لماذا يكتسب شعبيته وجماهيريته رغم سيطرة وسائل الاتصال الأخرى، وخاصة الرقمية منها على الأجيال الجديدة.

وتأتي مسرحية “جمهورية الأرملة السوداء” العراقية، التي عرضت في ملتقى القاهرة للمسرح التجريبي في دورته الثانية، التي انتهت فعالياتها مؤخرا، كمثال على عرض مسرحي جماهيري جذاب، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس هذا فحسب بل إنها مسرحية استطاعت، وبأسلوب شيق، بث رسائل وعظ اجتماعية وإنسانية عبر الحوار والرقص والحركة والموسيقى.

تدور المسرحية، التي يلعب بطولتها كل من محمد المسعودي وأمير حبيب وحسين مالتوس، حول الانقسام الحاد وغير المسبوق الذي يعيشه العراق وربما دول عربية أخرى، وهو انقسام لا يتوقف عند حد الطائفية، بل يتجاوزه ليصبح انقساما في البنية الاجتماعية ذاتها، متمثلا بمن يلبس عباءة الدين كحجة لفرض سلطته وسيطرته والتأثير في النفوس الضعيفة، وبين من يدعي الليبرالية فيعيش حياتا صاخبة يرى فيها ملجأ ومكانا آمنا له، وبين هذين الاثنين تضيع وتفنى الشعوب المعتدلة.

استطاع مخرج “جمهورية الأرملة السوداء” أن يكثف رسالته الفنية حين وظف السينما لخدمة المسرح، فاستخدم سينوغرافيا مميزة أدخل فيها مشاهد فيلمية اختزلت الكثير من الحوار والتفاصيل، وهو إلى جانب ذلك استعان بممثل (بانتوميم) صامت، ليقدم عبر أدائه الحركي المميز صورة كوريغراف مكمّلة للمشهد المسرحي ومحرك للشخصيات.

المسرحية تقدم رسائل تحذيرية للشعوب العربية من خطر الحروب والإرهاب، وذلك بأسلوب ذكي يوظف السينما والكوريغراف
المسرحية تقدم رسائل تحذيرية للشعوب العربية من خطر الحروب والإرهاب، وذلك بأسلوب ذكي يوظف السينما والكوريغراف

الجديد في العرض المسرحي الجامعي هذا، ليس فقط استثمارا للسينما والرقص والموسيقى واللعب على الإضاءة، بل في محاولة من المخرج لكسر الجدار الرابع ما بين الممثل والجمهور، فقام بتقديم أوراق امتحان للجمهور منذ لحظة دخوله باب المسرح، عنونها بالأسئلة المفتوحة لطلبة صفوف العذاب غير المنتهي.

وهذه الأسئلة تم طرحها أثناء العرض ليقوم الجمهور بالرد عليها كنوع من التفاعل والمشاركة الوجدانية اللا إرادية. بعض من تلك الأسئلة كانت سياسية وبعضها الآخر إنسانية، من أهمها على الإطلاق كان سؤالا ملفتا يقول “اُكتب موضوعا إنشائيا لا يقل عن 1700 جثة، محاولا فيه الآتي، إقناع أم عراقية فقدت ابنها بأن الجنة أجمل من ولدها، ومن ثم توضح موقف نهر دجلة من الآية القرآنية “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. اختصر المخرج، من خلال سؤاله، القضية الجوهرية التي يعيشها العراق، وكيف يتم الزج بمئات الشباب في حرب نهايتها المؤكدة الموت أو الشهادة كما يشاء البعض تسميتها، وأضاف إليها موقف نهر دجلة كنوع من التنويه إلى مئات الجثث من الشباب العراقي، الذي قتل على يد داعش ورمي فيه.

وتأتي أهمية هذا العرض ليس فقط في شكله الفني المميز، الذي يشير إلى احترافية في آداء الممثلين وفي طبيعة الإخراج، بل أيضا في كونه عرضا يخوض في موضوع حساس لا يتعلق فقط بالعراق كدولة وشعب، بل يمكن تلمسه لدى جل الشعوب العربية، وخاصة تلك التي باتت قاب قوسين من حرب أهلية قادمة لا محالة.

يقول عامر صباح المروزك، المشرف العام على المسرحية، “حاولنا عبر العرض أن نقدم ما يدور في المشهد العراقي بشكل أو بآخر وربما المشهد العربي أيضا، فهناك صبغة دينية وهناك أناس يتغطون بغطاء الدين وهم بعيدون عنه. أردنا تقديم هذا التناقض بطريقة فنية ومختزلة، وأن نطرح الأسباب الحقيقية وراء الثورات ضد الحكومات، والسيطرة بالمقابل على الشعب بشكل أو بآخر.

ووجود الشخصيتين المتناقضتين في مكان واحد على الخشبة، مفاده أننا نريد القول؛ نحن مع تغيير المجتمعات وتبديل الوجوه الموجودة ومع الحرية والعدالة”.

ويتابع، “أما بالنسبة إلى توظيف السينما في المسرح، فرغم الاختلاف الشديد ما بين اللغتين إلا أننا استخدمنا الشاشة كمحرك ومساعد لوصول الفكرة، فالمادة الفيلمية التي قدمت عبره ساعدتنا على سرد الأحداث واختصار الوقت”.

15