المسرحيون التونسيون يتألقون في دراما رمضان

انفتاح المخرجين على نجوم الفن الرابع يزيد العمل إثراء ومتعة.
الاثنين 2021/06/07
حلمي الدريدي.. تجسيد مرن للشخصية السلطوية القاسية في «أولاد الغول»

لم يحد الموسم الرمضاني التونسي الأخير عن عادة قديمة متجدّدة أساسها سعي بعض مخرجي المسلسلات في استقطابهم الجاد، ولو بنسب متفاوتة، لعدد من الممثلين المنسيين، خاصة أولئك العاملين في المجال المسرحي، ليمكّنوهم من البروز في أعمال درامية تقتحم حياة المُشاهد المُستكين في بيته، فيستطيب مثولهم بين يديه بحرفية أدائهم التي لا يستطيعها إلاّ من تمرّس لسنوات على الخشبة، المدرسة الأساسية لكل ممثل حقّ.

تونس - يظل المسرح المدرسة الأولى لتكوين الممثل الفذّ، وهو المصنع الحقيقي لإعداد جيل من الممثلين المبدعين في وسائط التمثيل المتعدّدة، فكم من نجوم كبار أمتعوا المشاهد على الشاشتين الكبيرة والصغيرة على السواء وكانت بداياتهم من خلال خشبة المسرح.

وفي الموسم الدرامي التونسي الأخير ظهر عدد كبير من ممثلي المسرح الذين أبدعوا وتألقوا في أدوارهم على شاشات التلفزيون، وتميّزوا عمّن سواهم من الممثلين الذين لم يختبروا عرق خشبات المسارح. فما السرّ في تميّزهم؟ وهل صحيح ما يقوله بعض النقاد أن ممثلي المسرح الأجدر والأوفر والأعمق في أدائهم على شاشات التلفزيون؟ أم أنها سمعة قديمة اجتازها ممثلو الجيل الحالي؟

التميّز لـ”حرقة”

الأسعد الوسلاتي ارتحل إلى المسرح فجلب منه أفضل ما فيه من طاقات تمثيلية قادرة على التلوّن في الأداء

هنا يبدو السؤال قابلا للقسمة على اثنين، فمن المعيب هضم استحقاق بعض المواهب التمثيلية التي لم تتمرّس بالفعل المسرحي بمفهومه الأكاديمي، لكنها تمكنّت بفضل الموهبة، وتراكم التجارب السينمائية والتلفزيونية على السواء، من فرض نفسها مراجع تمثيلية في المشهد الدرامي التونسي.

ولنا في الرعيل الأول من الممثلين العصاميين لدولة الاستقلال أكبر مثال على ذلك، كجميلة العرابي ودلندة عبدو والحطاب الذيب وغيرهم الكثير، ثم تلتهم أسماء أخرى كسامية رحيم وسنية المؤدب والتونسية – اليونانية هيلين كاتزاراس وأخريات، وصولا إلى الجيل الجديد من أمثال هند صبري وسناء يوسف وفريال قراجة وأحمد الأندلسي ومحمد مراد وظافر العابدين.. والقائمة تطول.

ومع ذلك يظل حضور أهل المسرح في الدراما التونسية ذا وقع خاص ورنين استثنائي لدى المُشاهد عبر تميّزهم في تجسيد أدوارهم بمنطق “الكذب بصدق”، بل هو الصدق عينه الذي يؤمّنه اشتغالهم الجاد على خلفيات الشخصية ونوازعها النفسية وعمقها التاريخي والاجتماعي في الطرح الدرامي المُزمع إثارته، وهو ما أظهره هذا العام الممثل المسرحي رياض حمدي في مسلسل “حرقة” بتجسيده لشخصية الأب “مجيد” المفجوع في ابنه “خالد” الذي ركب زوارق الموت إلى الضفة الأخرى من المتوسّط باحثا عن التحقّق في جنة الغرب المكذوبة.

حمدي الذي اكتشفه الجمهور التونسي في رمضان 2019 من خلال مسلسل “المايسترو” في دور السجان “طارق” الرؤوف والرحيم بأطفال سجن الأحداث (من هم دون سن الـ18)، ربما ما كان له أن يجد طريقه إلى الدراما التونسية، ويشهد كل هذا النجاح، وهو الذي اختار الاشتغال لسنوات في المسرح وللمسرح ممثلا ومدرسا (أستاذ جامعي في اختصاص الكوميديا)، لولا إيمان مخرج العملين “المايسترو” و”حرقة” الأسعد الوسلاتي بطاقاته التمثيلية الاستثنائية أولا، وبمشروعهما الدرامي الذي يُريدانه قريبا من التونسيين ومعبّرا عن همومهم، ثانيا.

وحمدي ممثل يُشبه كل التونسيين مظهرا وملبسا وحركة وصوتا، عبّرت ملامحه في “المايسترو” عن الطيبة دون افتعال، وعبّرت لهجته ومشيته وشرود عينه في “حرقة” عن حُرقة كل أب تونسي مرّ بتجربة البحث المضني عن ابن آثر الهجرة غير النظامية على مراكب الموت، وما تعنيه المُغامرة من مخاطر، على أن يبقى في وطنه منبوذا شريدا دون عمل يضمن له كرامته وإنسانيته، فيظل الأب بين نارين؛ نار انتظار مكالمة هاتفية تطمئنه على فلذة كبده، قد لا تأتي في الغالب، ونار ترقّب جثته الهامدة التي عادة ما يلفظها البحر على خلجان الأحلام المتكسّرة.

وتحصّل رياض حمدي عن دوره في مسلسل “حرقة” على جائزة أفضل ممثل في المسلسلات الرمضانية التونسية في الدورة السادسة من مسابقة “رمضان أوورد” التي تنظمها مجلة “تونيفيزيون” الخاصة بالشراكة مع إذاعة الشباب العمومية.

وغير بعيد عن مسلسل “حرقة” تمكّنت الممثلة المسرحية مريم بن حسن من تقديم دور مركّب شدّ انتباه المُشاهد التونسي إليها رغم قلة حضورها ضمن الحلقات العشرين للعمل، مقدّمة من خلال دور السجينة التي تلتحق بشقيقتها الصغرى إلى إيطاليا، بالطريقة ذاتها، أي تجاوز الحدود خلسة، أداء سلسا جمع بين الإتقان والإبهار دون غوغاء كلامية.

حضور المسرحيين في الدراما التونسية له رنين خاص لدى المُشاهد عبر تميّزهم في تجسيد أدوارهم بمنطق "الكذب بصدق"

فمشاهدها في السجن مع السجينات، ومكالماتها المتعدّدة مع شقيقتها في زيارتها لها إلى السجن، وتفكيرها فيها ودفاعها عنها وهي المسجونة التي لا تملك لنفسها ولا لأختها حيلة بحكم مكوثها خلف أسوار السجن، وصولا إلى مشهد خروجها منه الذي اتسم بالفرح المشوب بالحيرة، ثم التقاؤها بشقيقتها في المعتقل الإيطالي وما ساده من تشتّت وتيه، كلّها مشاهد أدّتها بن حسن بسلاسة تعبيرية أساسها حركات الوجه في اتساق مع إيقاعية الكلمات، دون أن تسقط في تضخيم الحركات وإعلاء الصوت المعتمد عادة في الأداء المسرحي.

وهكذا بدت بن حسن إلى جانب أسامة كوشكار، واحدة من أهم اكتشافات دراما تونس 2021، ولأن الجمهور التونسي عرف بن حسن في دور ثانوي في “المايسترو” عبر شخصية السجّانة “نائلة”، فإن “حرقة” مثّل الظهور التلفزيوني الأول للمسرحي أسامة كوشكار الذي قدّم فيه دور “الحرّاق” (الشخص الذي يقوم بتهريب المهاجرين خلسة) “عيّاد” تلك الشخصية الإشكالية التي تجمع بين اللين والقسوة، الحب والكره، الخنوع والجسارة إلى أن يسقطه العشق من عليائه، ما يُبرز الجانب الآخر الحالم في الذوات البشرية الموسومة بالشدة والصلابة، فالحب كاسر الجبابرة وإن تمنّعوا، شأنه في ذلك شأن مُعلّمه “صاروخ” (مهذب الرميلي).

وهذا الأخير، كان بدوره منسيا، أو ربما مقصيا من الدراما التونسية، لقصور في نظر بعض المخرجين التلفزيونيين، الذين لا يذهبون إلى المسرح ولا يبحثون عن نجومه، أو ربما يهابون سطوة حرفيّتهم عليهم، ليعوّضوهم ببعض نجوم، وخاصة نجمات مواقع التواصل الاجتماعي اللاّتي يملأن صفحات فيسبوك وإنستغرام غنجا ودلالا، ولا يقدرن على شدّ انتباه المُشاهد الحصيف ولو للقطة واحدة.

قدرة على التلوّن

وحيدة الدريدي.. امرأة كاملة الشرور والأذى في “أولاد الغول”
وحيدة الدريدي.. امرأة كاملة الشرور والأذى في “أولاد الغول”

بعيدا عن “حرقة” الذي يؤمن مخرجه، على ما يبدو بقدرات الممثلين المسرحيين، وما يمكن أن يضيفوه لأي عمل درامي جاد، فقد حفل مسلسل “الفوندو” لسوسن الجمني بأسماء مسرحية مخضرمة قدّمت الإضافة للعمل بتغيير جلدها من الكوميديا التي تعوّدوا أدائها في العديد من السيتكومات الهزلية إلى التراجيديا على غرار كمال التواتي في دور “الماروكي” ونعيمة الجاني في دور “خديجة” أم “يحيى” المتهم ظلما في قتل الصبية “مريم”، وخاصة رؤوف بن عمر الذي غاب لأكثر من عشريتين عن الدراما الرمضانية ليكون حضوره في “الفوندو” مُبهرا، وهو الذي قدّم بمعية زميله كمال التواتي مشهدا مرجعيا على مستوى الأداء وسلاسة التعبير أعادت إلى عشاق المسرح التونسي تألقّهما في الكوميديا المسرحية “كلام الليل” سنوات التسعينات، لكن بطرح تراجيدي مُلهم.

وفي “أولاد الغول” للمخرج مراد بن الشيخ استطاع حلمي الدريدي عبر تجسيده لدور “هارون” أن يكون وفيا لطبيعة الشخصية القيادية والسلطوية القاسية بانفعالات مدروسة سواء بالنظرات أو الحركات أو نبرات الصوت، وخاصة بملامحه الثابتة أثناء التشنّج والسكينة على السواء، مستلهما من آليات التجسيد المسرحي الإيمائي واستبطان النوازع الداخلية للشخصية التي تُخفي أكثر ممّا تُظهر مفرداته التمثيلية العميقة.

والدريدي ممثل مسرحي بالأساس، بدأ التمثيل من خلال مسرح الهواة وهو في سن السابعة عشرة ثم أكمل تعليمه الجامعي بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس، ليُشارك في العديد من المسرحيات من بينها: “في انتظار غودو” إخراج الأسعد بن عبدالله و”غرنيكا” لحسان المؤذن و”رهائن” للراحل عزالدين قنون، قبل أن يتفرّغ في العشرية الأخيرة، بعد استقراره بفرنسا، للمشاركة في العديد من الأفلام الأوروبية والأميركية.

والأمر ذاته انسحب على الممثلة المسرحية المخضرمة وحيدة الدريدي في دور “الكاملة”، تلك المرأة كاملة الشرور والأذى لكل من حولها عدا بكرها هارون ليقدّما معا، وأسوة ببن عمر والتواتي في “الفوندو”، أكثر من مشهد مرجعي يُدرّس.

أما في “كان يا ماكانش” الفنتازي الكوميدي فقد أتى العمل على نهج مخرجه عبدالحميد بوشناق، أحد خرّيجي مدرسة توفيق الجبالي المتفوّقين، متشبّعا بالمسرح سواء في طريقة طرحه الإخراجي الأشبه بالسينوغرفيا المسرحية، أو من حيث اعتماده على قامات مسرحية مكرّسة وأخرى مخضرمة وثالثة شابة على غرار عبدالحميد قياس في دور “بقراج” وفاطمة بن سعيدان في دور “ميمة” في أول ظهور تلفزيوني لها، مرورا بجمال مداني في دور “خفّاش” وهالة عياد في دور “الملكة سموم” وصولا إلى عزيز الجبالي في دور الأمير “برغل”، ليكون “كان يا ماكانش” فاكهة دراما رمضان تونس هذا العام. ولا خاب من ارتاد المسارح وجلب منها أفضل ما فيها.

نعيمة الجاني تمكنت من تغيير جلدها في “الفوندو”
نعيمة الجاني تمكنت من تغيير جلدها في “الفوندو”

 

17