المسرحيون مجتمعات صغيرة مغلقة على نفسها ومجهولة

"العرب" تتعرف على رؤية الفنانة المصرية ليليت فهمي للمشهد المسرحي مصريا وعربيا.
الخميس 2018/10/11
الإجابات الآمنة والمحسومة هي العدو الأول للمسرح

تعد الفنانة ليليت فهمي من الوجوه الفنية المسرحية المتميزة في مصر، فإلى جانب كتاباتها النقدية شاركت في التمثيل بالعديد من الأعمال مثل “ميديا” للكاتب المسرحي اليوناني يوربيديس، و”كنت في بيتي وكنت أنتظر أن يأتي المطر” لجان لوك لاغارس، و”خط الأم” الذي هو حكي على مسرح الفلكي، وحصلت على جائزة أفضل ممثلة في الدورة الـ13 من مهرجان الشباب المبدع، الذي نظمه المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة، عن عرضها “أغنية القطار الشبح” تأليف فرناندو أرابال.

كما قدمت فيلما قصيرا بعنوان “حلم المشهد” عرض في العديد من المهرجانات الدولية، وقد ناقشت فيه قضايا المرأة من خلال بنت تحاصرها رغبة في قص شعرها كلما أحست بالقهر، حتى ينتهي بها الأمر إلى التخلص منه كله، لتكتشف أنها خدعت من مخرج أوهمها بأنها تناضل من أجل حرية المرأة.

 

تجمع الفنانة المصرية ليليت فهمي بين التمثيل والنقد المسرحي إذ تعد من الأقلام النقدية الواعدة في الحركة المسرحية المصرية والعربية حيث تتابع وتشارك في المهرجانات والملتقيات المسرحية المتخصصة، ولها كتاباتها التي تنطلق من رؤية عميقة لتاريخ الدراما المسرحية وتطوراتها الراهنة. النقد عقل العملية المسرحية ولا ينتهي عند تطبيقه على العروض، إنما يمتد إلى التنظير والتأسيس للحركة المسرحية.

بداية تؤكد ليليت فهمي أن المشهد المسرحي المصري متنوع على أصعدة سياقية عدة منها البعد الجغرافي؛ فالمسرح، كما تقول، “يقدم من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، متأثرا بما يزخر به هذا التنوع الجغرافي من تنوع ثقافي. هذا بالإضافة إلى أنماط الإنتاج من حيث الكم والكيف، بدءا من الإنتاجات الصغيرة للغاية كما في تجربة مثل نوادي المسرح التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة إلى إنتاجات كبيرة مثل البيت الفني للمسرح، فضلا عن مسرح المستقلين والمسرح الجماعي. هذا التنوع يفرض بالطبع تنوعا جماليا وأيديولوجيا إلا أننا لا يمكننا أن نعثر على فروق جوهرية واضحة بينها، وهو ما يجعلنا أمام سؤال مركزي: إلى أي مدى تعبر هذه العروض عن خصوصية منتجيها ومجتمعاتها المحلية ومتطلبات هذه المجتمعات الجمالية والأيديولوجية؟”.

أسئلة الهوية

ترى فهمي أن المسرح الآن بحاجة إلى تجديد سؤال الهوية بصورة دائمة، ولا تعني بالهوية الجثة الراسخة التي نحملها من الماضي، إنما تعني بها جدل الذات الدينامية الخاضعة لمتغيرات دائمة، ويشتبك فيها الماضي مع الحاضر استشرافا للمستقبل، باعتبار الهوية مفهوما مركبا يعكس الوعي براهنية الواقع كمتغير يتفاعل مع المركب الحضاري التاريخي. وذلك نظرا إلى أن المسرح مجال للذات الاجتماعية ورفع مطالباتها عبر القيم الجمالية.

وتقول الفنانة “أظن أن أشكال الرقابة، ولا أعني فقط السياسية إنما الرقابة الاجتماعية والذاتية أيضاً، تضعنا أمام إجابات آمنة ومحسومة سلفاً وهو ما يشكل العدو الأول للمسرح لأنه يفقده صفة الآنية وراهنية الحاضر بأسئلته. هذه الأخيرة هي مبعث حيوية المسرح لأنها تحدد النوع وتمثل شرطا لبقاء الجمهور. ربما نجد العروض الكوميدية هي الأكثر رواجا جماهرياً، لأنها تشير مباشرة إلى قضايا الواقع ولو بالكثير من المواربة، ولذلك نجد أن أزمة الجمهور هي أزمة لا يعاني منها ‘مسرح مصر‘ على سبيل المثال، ذلك لاعتماده على مواكبة الأحداث واستلهامه لتقنية كوميديا الفيسبوك والتريندنغ، بالإضافة إلى الدعاية واسعة الانتشار”.

النقد عقل العملية المسرحية ولا ينتهي عند تطبيقه على العروض، إنما يمتد إلى التنظير والتأسيس للحركة المسرحية

وتضيف “في الحقيقة تعدّ مسألة الدعاية أحد أهم التحديات التي تواجه المسرح بشكل عام. فبالكاد تجد مواطنا يعرف أن هناك مسرحا قوميا في العتبة، وإذا ما عرف مكانه يظن أنه مغلق، وهذا ما تسمعه مثلا من تعليقات من أغلب سائقي التاكسي
على الرغم من أنهم الأكثر حركة في المدينة. ومشكلة انعدام الدعاية الكافية جعلت من المسرح والمسرحيين مجتمعات صغيرة منغلقة على نفسها ومجهولة للمجتمع، وهو بالطبع ما أفسد المسرح وأدخله منطقة المجاملات الاجتماعية بين أفراد المسرحيين”.

وحول الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة من أجل المسرح، تقول فهمي “يمكنني بسهولة أن أقول لك إننا في كل لحظة نلمس نوايا طيبة ولكن النوايا الطيبة لا تصنع شيئا. في الحقيقة نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسسات إنتاج المسرح واضعين نصب أعيننا الأسئلة الأولية، من قبيل لماذا المسرح؟ ما أهميته؟ لماذا المهرجانات؟ لمن المسرح؟ وكيف نصل إلى الفئات المحددة؟ ما هي مشروعات تطوير العاملين بالمهنة؟ كيف نصل بالمسرح إلى أبعد وأصغر قرية في أصغر وأبعد إقليم؟ كيف يمكن أن تقلل وزارة الثقافة من أعبائها المالية تجاه هذه المسؤولية المجتمعية بالتشارك مع جهات مؤسسية أخرى داعمة وغيرها من الآليات التي قد تزيد الجودة دون زيادة الأعباء المالية، بالإضافة إلى تصميم نظام متابعة وتقييم محكم داخلي وخارجي؟”.

وتشير فهمي هنا إلى أن المهرجانات المسرحية التي تقيمها وزارة الثقافة تشكل إضافة وتطورا للمسرح المصري، لكنها تحتاج إلى مراجعات جذرية في إطار الأسئلة السابقة.

الكتابة والنقد

تقول ليليت فهمي “هناك نصوص مسرحية مصرية، وهذه النصوص بالتأكيد تتفاوت في الجودة، ولكن عندما نقول إن هناك أزمة نصوص فإننا بذلك لا نعني أنه لا يوجد كتاب أو محاولات للكتابة، بل وبعضها نصوص جيدة، إنما نعني وجود حركة وعي، تيارات كتابة واعية أصيلة لها طابع خاص، وتعكس تصورا اجتماعيا، وتستطيع فهم تناقضات الواقع. والحقيقة بهذا المعنى أن أزمة النصوص العربية هي أزمة عميقة الجذور تعود إلى لحظة تعرفنا على النموذج الغربي والاحتجاز داخل جمالياته وداخل خطابه الذي ينفي الدرامية عما هو غيره. بل ونتبنى هذا الخطاب نفسه نقدياً وهو ما ينطوي ضمنياً على احتقار للذات، هذا يستدعي فحصا ثقافيا جماعيا لحركة ومشروع فكري كامل لا ندين أو نقصي فيه شخصا بعينه أو مجموعة من الأشخاص بقدر ما نفحص مواضعاته ونستجوبه”.

العروض الكوميدية هي الأكثر رواجا جماهيريا، لأنها تشير بشكل مباشر إلى قضايا الواقع ولو بالكثير من المواربة

وتؤكد فهمي أن النقد أيضاً يعاني أزمة كبيرة مردها انعدام الجمهور الفعلي غير المحمل بمواقف إلا رغبته في الاستمتاع. فالافتقار إلى جمهور بهذا المعنى يضع العملية المسرحية كلها في إطار الاحتفالات والمجاملات بلا أي رؤية نقدية موضوعية. هذا بشكل عام أما بصورة أكثر تحديدا فإن مساحات النقد في المطبوعات المصرية ضئيلة جدا مقارنةً بالإنتاج المسرحي من ناحية وبالعاملين والمهتمين بالمسرح من ناحية أخرى، بالإضافة إلى أن المطبوعات المسرحية المتخصصة تعاني ضعفا في آليات التوزيع، وبالتالي لا تصل بسهولة إلى المهتمين بها.

وختمت الفنانة قائلة “إن النقد باعتباره عقل العملية المسرحية لا ينتهي عند النقد التطبيقي للعروض فحسب، إنما يمتد إلى التنظير والتأسيس للحركة المسرحية، وهنا تحديدا لا نكاد نجد مطبوعة مسرحية متخصصة واحدة تتجه إلى القارئ المتخصص، بل نجد مراوحة دائمة فيما نعتبره مطبوعات متخصصة تحاول استجداء قارئ عادي من ناحية ومن ناحية أخرى المحافظة على اللغة النقدية العلمية الخاصة، وبالطبع هذه المراوحة تضعف المطبوعات. إننا ربما في حاجة إلى ازدياد عدد المطبوعات المسرحية والاتفاق على إجابة واضحة حول من هو جمهورها، لتصبح لدينا بوضوح مجلة أو جريدة متخصصة ذات مستوى علمي رفيع تواكب حركة المسرح عالميا، وتشتبك مع النظريات الفكرية والنقدية الحديثة وأخرى ذات طابع جماهيري واضح”.

15