المسرحي الإيطالي إدواردو دي فيليبو يسمع الخشبة أصواتنا الخفية

الاثنين 2014/04/28
المسرحية تجسيد لانحطاط القيم بعد الانهيار الاقتصادي الذي شهدته إيطاليا

باريس- من أعلام المسرح الإيطالي الذين سجلوا حضورا في الذاكرة العالمية غولدونيو بيرانديلو وداريو فو، ولكن قلة قليلة لا تزال تذكر علما آخر هو إدواردو فيليبو (1900/ 1984)، رغم أنه ليس دونهم قيمة، ولا تزال أعماله تعرض بانتظام سواء في “المسرح الصغير” بميلانو، أو في “المسرح الموحّد” بمدينته نابولي، أو خارج إيطاليا كما هو الشأن مع مسرحيته “الأصوات الداخلية”.

المسرح لدى دي فيليبو هو مسألة عائلية، فأبوه هو المسرحي الكبير إدواردو سكاربيتا صاحب المسرحية الشهيرة “البؤس والنبل”، وهو الذي احتضن ابنه للعمل معه، ممثلا ومؤلفا إلى أن اشتدّ عود الابن فأنشأ في مطلع ثلاثينات القرن الماضي مع أخته تيتينا وأخيه بيبينو فرقة خاصة سماها “فرقة دي فيليبو الهزلية”.

وقد ظل ثلاثتهم جنبا إلى جنب حتى انفصالهم عام 1946، فصارت الفرقة تعرف بـ”فرقة دي فيليبو”، وتعرض مسرحيات من تأليفه وتمثيله وإخراجه نالت صدى واسعا في مدينته نابولي وفي المدن الإيطالية الأخرى وحتى خارج إيطاليا، قبل أن ينتقل إلى السينما عندما وضعت الحرب أوزارها.


بلاغ كاذب


تدور أحداث “الأصوات الداخلية” في عمارة بأحد أحياء نابولي، حيث السكان يختلطون ببعضهم بعضا كما هو الشأن في الأحياء الشعبية، وتصوّر شخصا خبيث الطوية يدعى سوبوريتو يزعم أنه رأى فيما يرى النائم أن عائلة تشيمّاروتا اغتالت صديقه أميترانو وأخفته في المطبخ، فذهب إلى رجال الأمن للتبليغ عنها.

وبما أن أميترانو هذا هجر زوجته واختفى، فقد اقتنعت الشرطة بالبلاغ، وبعد التحقيق مع آل تشيمّاروتا، أفرجت عنهم، ووجهت لألبيرتو تهمة ترويج بلاغ كاذب مع شهادة زور. ثم ظهر المختفي حيّا يرزق فكانت المفاجأة التي ستعقبها مفاجآت أخرى.

المسرحية من نوع كوميديا الأخلاق والعادات، تبدأ بموقف هزلي سرعان ما يتحوّل إلى دراما، استغلها المؤلف لتحليل مواقف البشر وسلوكهم الذي يتخذ أحيانا وجه الوحشية والفظاعة. وقد جاءت في لغة تمزج بين الإيطالية ولهجة سكان نابولي، وتزخر بتطورات يأتلف فيها الجدّ بالهزل، وتظهر براعة الممثلين في أداء أدوارهم باندفاع، في مواقف تذكّر بالواقعية الجديدة كما تتبدّى في أفلام فيتوريا دي سيكا، فإذا المشاهد موزع بين الضحك والتأثر.

وقد أجاد المخرج توني سيرفيلّو، الذي تقاسم دور البطولة مع أخيه بيبّي، في إبراز جنون شخصية ألبرتو التي تقمّصها، كاستعارة للدراماتورجيا وجعل ممثليه يتبادلون الأدوار على طريقة بيرانديلو.

لذلك لم يكن نجاح التصوّر التخييلي رهن منظومة المسرحة بقدر ما كان وليد حضور أشخاص حقيقيين قادرين على ترجمته ونقل أطواره. خصوصا عندما وقفوا جامدين صامتين على خشبة المسرح يتطلعون إلى الجمهور كأنهم “يبحثون عن مؤلف”، ويتبنون السؤال الوجودي الذي عبّر عنه ناطق باسمهم بقوله: “كيف نستطيع أن ننظر إلى بعضنا البعض وجها لوجه؟”.

إدواردو دي فيليبو: يمكن سرد تاريخ الإنسانية في خمس تمثيليات

ليؤكدوا مأساة كل كوميديا ترتهن لأشخاصها، وفاء لرؤية إدواردو دي فيليبو وفلسفته في الحياة حيث يقول: “يمكن سرد تاريخ الإنسانية في خمس تمثيليات”. ورغم ما يتخلل هذه المسرحية من وضعيات هزلية، ظلت متشحة بسوداوية تلك الفترة، إذ تصوّر انحطاط القيم بعد الانهيار الاقتصادي الذي شهدته إيطاليا، حيث اختلط الحابل بالنابل، ولم يعد الإنسان يميّز بين الخير والشر، بين المشروع والمحظور، بعد أن غيّرت الحرب طبائع البشر، ففقدوا القدرة على التخاطب والتفاهم فيما بينهم.

ومن الطرائف المعبّرة عن هذا الوضع لجوء إحدى الشخصيات إلى إشعال الشماريخ تعبيرا عن ذلك الانحدار إلى الهاوية، وآثر الصمت على الكلام لأن “العالم صار أصمّ”. وهذا ألبرتو سابوريتو مثلا، وقد اختلط لديه الليل بالنهار، والحلم بالواقع، يشي بجيرانه انطلاقا من رؤيا أوهمته أنهم قتلوا صديقه.


الجميع متهمون


هذا الاتهام النابع من صوت داخلي سوف يعرّي الجميع ويكشف عن أسرارهم وخباياهم الدنيئة ويفضح روح البغضاء التي تسكنهم والعداء الذي يكنونه، بعضهم لبعض؛ لا يستثنى من ذلك أحد. كذا الزوج تجاه زوجته، والأم تجاه ابنتها، والأخ تجاه أخيه.

في الفضاء المغلق لتلك العمارة البائسة بأحد الأحياء الفقيرة في مدينة نابولي، لم يعد للإنسانية وجه يُنظر إليه بامتلاء ومحبة، فهو وجه بشع فظيع. يقول ألبرتو: “إذا كان الجميع قتلة، فأنا بالضرورة واحد منهم”.

بقي أن نقول إن هذه المسرحية، شأن مسرحيات دي فيليبو الأخرى، صيغت بلغة أقرب إلى العامية، وهو ما يختلف فيه مع غولدونيو بيرانديلو، لحرصه على تصوير الواقع كما هو، والتعبير عن الشخصيات بلغتها، بلغة عامة الناس كما تتجلى في الحياة اليومية.

وفي هذا يقول دي فيليبو: “أعتقد أن لغة المسرح ينبغي أن تتكيّف مع فن المسرحة، من كوميديا ودراما وتراجيديا وألعوبة وسخرية ونقد لاذع. يمكن استعمال عدّة لغات تنتمي إلى المنطوق العادي، إلى لغة الاستعمال اليومي. أما اللغة الأدبية فتلك قضية أخرى، لأنها في نظري تسجن المسرح. ينبغي تكييف اللغة للموضوع، لعملية التركيب والتكوين، للوسط الذي نتناوله، فلا وجود في المسرح للغة وحيدة، علاوة على اللغة الذاتية الخاصة بكل شخصية بحسب مَنشَئها وثقافتها ومكانتها في المجتمع”.

16