المسرح أونلاين.. مستقبل مجهول للفن الرابع

المنصات الرقمية خطر يهدد أب الفنون ويحرمه من روحه.
الأحد 2021/03/28
المسرح التلفزيوني أو الهزلي يفقد المسرح حيويته

مع انتشار جائحة كورونا أغلقت العديد من المسارح أبوابها وتوقفت العروض المسرحية في ما يشبه الشلل الذي أصاب أب الفنون وعطل الكثير من الأعمال. وفيما اختارت الكثير من الدول إيقاف العروض هناك بعض المسارح والتظاهرات المسرحية اختارت أن تتجه إلى الفضاء الإلكتروني، فقدمت العديد من العروض بشكل افتراضي للجمهور أونلاين، لكن التجربة التي أجبر على خوضها المسرحيون ومحبو المسرح لم تجد ترحيبا كبيرا من كل المتدخلين في اللعبة المسرحية التي فقدت مع واقعها الجديد أهم سمة فيها ألا وهي التفاعل المباشر.

لا يكتمل المسرح إلا بثلاث ركائز هي العرض والفضاء والمتلقي (أو الجمهور). الركيزة الأولى، بطبيعة الحال، تتألف من النص والممثل والمخرج والعناصر الفنية البصرية والسمعية الأخرى وأهمها السينوغرافيا. وإذا ما افتقر المسرح إلى المتلقي يصبح مفتقرا لوجوده، فالمتلقي هو التحدي ومن دونه تبقى الصورة كاذبة، كما يقول المخرج الإنجليزي بيتر بروك. ومن نافلة القول إن الممثل هو العنصر الوحيد الذي يتأثر بالحضور الحي المباشر للمتلقين أو بغيابهم.

المواجهة بين فضاءين

من أبرز المخرجين الذين اهتموا بفاعلية المتلقي في المسرح المخرج الروسي مايرهولد، ففي عام 1930 كتب قائلا “في أيامنا هذه يسعى كل عرض مسرحي إلى تحقيق مشاركة الجمهور، ويراعي هذا في تصميمه، فكتّاب الدراما والمخرجون لا يعتمدون فقط على جهود الممثلين والتسهيلات التي تقدمها التجهيزات الفنية لخشبة المسرح، بل يرتكنون، أيضا، إلى جهود الجمهور ومشاركته. إن كل مسرحية نقدمها تقوم على فرضية أنها لن تكتمل حتى لحظة ظهورها على الخشبة، ونحن نفعل هذا بشكل واع، لأننا ندرك أن المراجعة الحاسمة للعرض هي تلك التي يقوم بها المتلقي”.

أبدى الكاتب والمخرج المسرحي الألماني برتولت بريخت اهتماما كبيرا بالمتلقي في معظم كتاباته النظرية عن المسرح الملحمي؛ منطلقا من فكرة المواجهة بين فضائين هما: فضاء المتلقي، وفضاء العرض.

وجاء رفض بريخت للمسرح الدرامي الأرسطوطاليسي، وتقديم بديل عنه هو المسرح الملحمي، لتحقيق جملة أهداف أبرزها “جعل التلقي عملية واعية، وليس انفعالا مجردا”، من خلال استرجاع الوظيفة التعليمية للمسرح، وإدخال عناصر التغريب على كل المستويات.

وتُعد جهود بريخت وإنجازاته في غاية الأهمية لأي دراسة تبحث في العلاقة بين العرض المسرحي والمتلقي. وكانت لأفكاره التي قدمت تصورا لمسرح له من القوة ما يجعله باعثا على التغير الاجتماعي، إضافة إلى محاولاته إعادة بعث الحياة في العلاقة بين المتلقي والخشبة.

العروض المسرحية التي صارت تُسجّل وتُبث أونلاين عبر المنصات الرقمية افتقرت إلى ما وصفه بيتر بروك بالتحدي

وأشار بريخت في كتابه “الأورجانون الصغير” إلى أن الممارسة المسرحية المعاصرة قد أجهضت العلاقة المباشرة بين خشبة المسرح والمتلقين، فالبنية الاجتماعية المصورة على خشبة المسرح تظهر وكأنها عاجزة تماما عن التأثير في المجتمع. ولمقاومة هذا النمط من المسرح قدم بريخت مسرحا آخر يقوم على التفاعل المباشر مع الجمهور.

وسعى المخرج المسرحي البولندي ييجي ماريان غروتوفسكي إلى إقامة مسرح فقير يكون دور المتلقي فاعلا وأساسيا فيه، وذهب إلى أن الجمهور يضع نفسه على خشبة المسرح لأنه لا توجد خشبة مسرح على الإطلاق، وإنما يتحرك الممثلون في حرية بين الجمهور ويكونون معه وحدة واحدة.

وعلى هذه الحالة يستطيع الجمهور أن يقوم بدور الكورس بأن يعلق على الحدث، أو يعارض أحد الممثلين، أو يفسر ما حدث من قبل. وقد ضم المتلقين في عرضه “كورديان” إلى ما يجري على الخشبة بوصفهم مرضى في مستشفى الأمراض النفسية.

ويعرف دارسو المسرح أن تيارات وفرقا مسرحية عديدة في العالم، إبان القرن الماضي، مثل “المسرح الحي”، و”مسرح الواقعة” (الهابننغ)، اعتمدت أسلوب التعامل المباشر مع الجمهور، ودفعه إلى التفاعل مع الأحداث واشتراكه فعليا في التمثيل، وكانت الغاية منه إثارة أحداث تؤدي إلى خلق أثر فني مرتجل.

حيوية المتلقي

الممثل يحتاج إلى التفاعل مع الجمهور
الممثل يحتاج إلى التفاعل مع الجمهور 

نظرا لأهمية ركيزة “المتلقي”، انتقلت بؤرة الاهتمام إليها على نحو لافت، وبدأت تبرز في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي نظريات متطورة حول جمالية التلقي في المسرح، انطلاقا من أن وجود المتلقي حيوي، بوصفه عنصرا نوعيا في سيرورة إنتاج العرض المسرحي وتأويله من خلال علاقة حوارية بينهما، كما هو حيوي وجود المؤلف المسرحي والممثل والمخرج، كي يوجد المسرح.

وقد تمثّل هذا التوجه بظهور مجموعة من الكتب والدراسات التي اهتمت بعملية التلقي وجمالياته، وعلاقة المتلقي بالعرض، وآلية عمله في المسرح، وتواصله مع المؤدين، والأدوار التي يقوم بها، وأنواع اللذة التي يحصل عليها من ممارسته لتلك الأدوار، وقراءة العروض المسرحية بهدف تلمس استراتيجيات التلقي الضمنية.

وينبغي الاعتراف بأن جمالية التلقي في المسرح ما كان لها أن تحتل الموقع الذي باتت تحتله الآن في حقل النقد المسرحي، والأبحاث الأكاديمية المتمحورة حول المسرح بشكل عام، لولا الانقلاب الجذري الذي أحدثته “جمالية التلقي”، أو نظرية التلقي، في حقل النقد الأدبي، والدراسات الأدبية.

نظرية التلقي في الأدب هي مقاربة نقدية تقترح تركيز الاهتمام على تلقي القارئ (الناقد أو العادي) للأدب، وتمرّسه بالنص الأدبي وتأثره به، لا على الأدب في حد ذاته (جمالية الإنتاج)، كما تفعل المقاربة المحايثة التي تغلق النص على نفسه وترفض إحالته على أي شيء آخر عدا اشتغاله الداخلي، أو في حد مرجعية الأدب أو تاريخيته، كما تفعل المقاربة الخارجية.

إذن، فالمتلقي، مرة أخرى، ركيزة أساسية في وجود المسرح، لذا فإن العروض المسرحية التي صارت تُسجّل، بحضور عدد ضئيل جدا من الجمهور، بسبب جائحة كورونا، وتُبث أونلاين عبر المنصات الرقمية، وأغلبها عروض مشاركة في مهرجانات محلية وإقليمية ودولية، افتقرت إلى ما وصفه بيتر بروك بالتحدي.

لذلك فإن بعض المسارح الأوروبية لجأت في البداية إلى تقديم عدد من عروضها من دون جمهور، إلا أنها سرعان ما أدركت خطورة البديل على صورة المسرح، فامتنعت عن تصوير العروض وبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفت بأن يكون الغرض من التصوير مقتصرا على أرشفة العروض المسرحية فقط. وفي اعتقادي إن المسرح إذا ما استمر على هذا النحو فإن مستقبله لن يكون مطمئنا، إن لم نقل إنه لن يشهد تجارب مهمة تضيف إلى تجاربه السابقة رصيدا إبداعيا، ومن المؤكد أن العديد من المخرجين الكبار لن يغامروا في تقديم أعمال من دون جمهور في هذا الظرف العصيب، رغم وجود بعض الاستثناءات.

ولعل الأكثر تضررا في هذا السياق هو ما يعرف بالمسرح اليومي أو الهزلي الذي يعتمد في استمراره على الجمهور والتذاكر، خلافا للمسرح الجاد الذي تقدمه الفرق التي ترعاها الدولة، أو الفرق المشاركة في المهرجانات.

المسرح أونلاين

من خلال الركح يتبادل المؤدي رسائله مع الجمهور
من خلال الركح يتبادل المؤدي رسائله مع الجمهور

عبّر العديد من المسرحيين والنقاد العرب عن آرائهم في ظاهرة المسرح أونلاين. منهم من  قال إن “كل ما قُدّم عبر الإنترنت (أونلاين) في فترة الجائحة، تحت عنوان عروض مسرحية، لم ولن يكون بديلا عن المسرح الحي، فليس من المعقول حبس فضاء المسرح فى الشاشة، فمن الممكن استخدام وتوظيف أدوات التكنولوجيا على خشبة المسرح وليس العكس، كما أنه يمكن الخروج عن الأعراف والتقاليد المسرحية على ألا يكون هذا ضد المسرح”!

وذهب أحد المسرحييين إلى أن تقديم عروض مسرحية في صالة فارغة أو في استوديو أمر متعب لنفسية الممثل، وله تأثير سلبي في إبداعه، فهو يجرده من “روحه” لأن إحساسه باللحظة التي تشع بنبض الحياة، وأخذه الإجابة مباشرة من المتلقي في الوقت ذاته من شأنهما أن يزيدا من عطائه، ويحثانه على تقديم أفضل ما لديه. إن مثل هذه العروض قد تفقد المسرح سحره، وتفقد الممثل شغفه أيضا، لأن ذلك سيحرمه من معرفه انطباع الجمهور على ما قدمه من إبداع فني.

ونفى مسرحي آخر أن يكون “أبو الفنون” مسرحا طالما ابتعد عن الجمهور، وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحول إلى “مسرح تلفزيوني”، وهذا يفقد المسرح حيويته وتواصله مع الجمهور، الذي يعد عنصرا أساسيا ومهما في العملية المسرحية.

وأطلق كاتب ومخرج مسرحي على هذه العروض اسم “العروض الافتراضية”، وبيّن أنها يمكن أن تغطي جزءا بسيطا من العملية المسرحية، وتسهم، ولو بشكل محدود، في تذكير الناس بالمسرح.

وأكد مسرحي رابع أن المسرح حضور وروح متبادلة في نفس اللحظة بين المؤدي والجمهور، إن إنصات الجمهور وضحكه وتصفيقه وشهقته وانبهاره وحتى صمته هي الروح التي يتبادلها مع المؤدين وكل مبدعي العرض، وأي مسرحي يعي تماما أنه بالرغم كل التقدم التكنولوجي في تقنيات التصوير فإنها لا تستطيع نقل الحالة الشعورية التي يستمتع باستقبالها الجمهور الحاضر في المسرح فعليا، وحريته في أن يتنقل ببصره كيفما يشاء داخل فضاء العرض المسرحي وتشكيلاته، دون حصرها في كادر معين مختار له من وجهة نظر الناقل التلفزيوني للعرض.

ورأى ناقد ومخرج مسرحي أن كل شيء جرى تأجيله في الحياة حتى أن أشياء أهم من المسرح بكثير، خاصة أنه لا يمتلك حضورا عضويا في مجتمعاتنا، توقفت وتأجل العمل بها. لذا لا بأس من تأجيل المسرح حفاظا عليه، بدلا عن إماتته في ما يسمى بعروض أونلاين أو بمسميات أخرى هي أقرب إلى البدع والخرافة، وأبعد ما تكون عن المسرح.

ونستنتج من هذه الآراء أن أغلب المسرحيين لا يجدون العروض التي تُبث أونلاين عبر المنصات الرقمية، كما هي الحال مع السينما، للأسباب التي مرّ ذكرها، بديلا عن مشاهدتها على المسرح من طرف جمهور واسع يتفاعل معها، يحاورها وتحاوره، وهذا يشير إلى أن الجائحة ضربت المسرح في الصميم، وأن تحدي بعض الدول لها بفتح أبواب المسرح للجمهور مؤخرا، مع احترام قواعد البروتوكول الصحي، لن يكون حلا ناجعا أيضا، فهو مغامرة محفوفة بالمخاطر.

بعض المسارح الأوروبية قدمت عددا من عروضها افتراضيا، إلا أنها سرعان ما أدركت خطورة ذلك على صورة المسرح
بعض المسارح الأوروبية قدمت عددا من عروضها افتراضيا، إلا أنها سرعان ما أدركت خطورة ذلك على صورة المسرح

 

14