المسرح الجزائري اليوم.. رحلة البحث عن هويته

الأحد 2013/11/03
المسرح الجزائري يتطور باستمرار

في كتابه الذي اقتفى فيه تأثير المسرح الملحمي للمسرحي الألماني الشهير برتولد بريخت على المسرح الجزائري، وبالخصوص في فترة الاستقلال والذي أستظل به في قراءتي لتعرجاته، يذكرنا الكاتب الجزائري الشريف الأدرع بتعليق المناضل الثوري العلمي أرنستو تشي غيفارا حين زار الجزائر في عام 1962 لحضور احتفالات عيد الاستقلال بمناسبة حلول ليلة أول نوفمبر وجاء فيه: " لقد قيل لي إنه لا يوجد مسرح عربي في الجزائر فإذا بي أحضر وأشاهد مسرحا ثوريا". لقد كان هذا تعليق تشي غيفارا على مسرحية المسرحي الجزائري الراحل عبد الرحمان ولد كاكي التي عنوانها "132 سنة" التي شهدها بنفسه.

في هذا السياق يتفق مؤرخو الثقافة الجزائرية وخاصة مؤرخو المسرح الذي هو رافد من روافدها أن جذور نشأة المسرح الجزائري لا يمكن أن تفصل عن أشكال المقاومة الثقافية الوطنية الجزائرية للاحتلال الفرنسي.

على ضوء ذلك فإن بدايات هذه النشأة تعود إلى عشرينات القرن التاسع عشر ومن روادها: علي سلالي، وباشطارزي ورشيد قسنطيني وغيرهم. في فترة البدايات الأولى كانت المسرحيات التي قدمت في بعض الأماكن العامة وفي الأسواق عبارة عن كوميديات وعن عروض عرائس القراقوز ولكن الاستعمار الفرنسي واجهها بالمنع. ومن أجل القضاء على هذه البذور الأولى لجأت السلطات الفرنسية إلى بناء أول بناية للمسرح في العاصمة وذلك في 1850 – 1853 وخصصته للعروض المسرحية الناطقة باللغة الفرنسية لفائدة المعمرين الفرنسيين فقط وفقا للسيد شريف الأدرع.

ويجمع المؤرخون ورواد المسرح الجزائري معا على أن المسرحيات الجزائرية التي كانت تعرض إذ ذاك كانت قد تميزت بنطقها اللغة العربية العامية وكانت ذات طابع تقليدي ولم تتفتح بعد على تقنيات المسرح المتقدمة والمتطورة. ولكي يمنح هؤلاء المسرحيون الجزائريون الرواد خصوصية لمسرحياتهم لجأوا إلى استلهام التراث الشعبي وخاصة حكايات "جحا" التي وظفوها لنقد المستعمر الفرنسي والسخرية منه، ومن أجل زرع الوعي النضالي لدى المواطنين.

بهذا الخصوص يشير المسرحي الجزائري عبد القادر فراح، المعاصر لفترة الاستعمار، على ضوء تجربته الخاصة، إلى المصادر الأخرى التي أثرت في تشكيل المسرح الجزائري وكذلك رؤيته المسرحية قائلا: "لقد استلهمت التراث العربي، وبالتدقيق ألف ليلة وليلة، وشخصية المداح".

ويضيف موضحا: "لقد كانت تلك المهرجانات مزيجا من حضرة الصوفية، والأهازيج، والصلوات، والموسيقى، وسباق الخيل، والـ "عيساوية" الذي هو أسلوب خاص بتحضير النفس البشرية للدخول في لحظات الوجد الصوفي، ويتم ذلك بالقفز على أكوام من الجمر المتقد، و"القناوة" الذي هو نوع من الغناء والموسيقى ذوي المرجعية الإفريقية.

بدايات المسرح الجزائري كانت تقليدية

لقد قدمت هذه المهرجانات مشهداً تاريخياً بحتاً، لا علاقة له بفرنسا وتقاليدها". هنا نرى أن بدايات المسرح الجزائري كانت تقليدية ولكنها تتميز بالارتباط بالهوية الوطنية عن طريق استخدام اللغة المحلية والتراث الوطني.

أما فترة الثلاثينات والأربعينيات من القرن العشرين فقد شهدت ميلاد عدد من كتاب المسرح الجزائريين من بينهم "حبيب رضا، رضا فلاقي، مصطفى بديع، قزدرلي، الرازي، عبد الحليم رايس، ومحمد توري، و في هذا الصدد يلاحظ الناقد الشريف الأدرع أن هؤلاء كانوا متعايشين مع الأدب والمسرح الفرنسيين ومعاييرهما وفي الوقت نفسه كانوا يدعون إلى " الواقعية" وإلى " الالتزام ". وفي الفترة ذاتها أنشأ المسرحي الجزائري عبد الرحمان كاكي فرقة " القراقوز" كما أنشأ المسرحي مصطفى كاتب فرقة " الأوبرا"، وهكذا بدأت علاقة المسرحيين الجزائريين بمسرح بريخت الملحمي ومن بين الأسماء البارزة التي صنعت هذه العلاقة عبد القادر علولة ومحمد بن صالح ومحمد خشعي وكاتب ياسين. ويجمع مؤرخو المسرح الجزائري ومنهم الشريف الأدرع أن تعرّف هؤلاء على مسرح بريخت كان على أيدي المسرحيين الفرنسيين اليساريين على نحو خاص. وكما هو معروف فإن المسرح الجزائري في ظل الاستعمار الفرنسي لم يسمح لرواده بتأسيس مؤسسات مسرحية ليمارسوا فيها التكوين أو التمثيل المسرحي بل إنهم قد منعوا بقوة من أية ممارسة مسرحية.

أما في فترة استقلال الجزائر فقد بدأ النشاط المسرحي يأخذ مسارا مختلفا إذ تمّ في عام 1963 إنشاء وتقنين مؤسسة "المسرح الوطني الجزائري" بدعم من الدولة وتحت شعار بناء الاشتراكية. في هذه الفترة برز عدد من المؤلفين المسرحيين الجزائريين مثل محمد بوديا إلى جانب استئناف جيل مرحلة الثورة التحريرية المخضرم لنشاطهم المسرحي منهم مصطفى كاتب وعبد القادر علولة وكاتب ياسين، وعبد الرحمان كاكي وغيرهم.

في هذه المرحلة بالذات كان المسرح الجزائري يراوح بين توظيف تقاليد المسرح الفرنسي والمسرح الملحمي البريختي مع إدخال عناصر تقنيات محلية ووطنية مثل "المداح" و"الحلقة" كما يلاحظ نقاد المسرح الجزائري. وفضلا عن ذلك فإنهم قد لاحظوا ظاهرة تزامن التأليف الذاتي للمسرحيات مع التوجه نحو الاقتباس من المسرحيات العالمية وخاصة مسرحيات بريخت مع تطعيم عمليات الاقتباس بالقضايا الجزائرية المطروحة في عهد الاستقلال وتقديمها في شكل لغوي جزائري له خصوصية تغلب عليه العامية.

أما التقنية التي شدّت المسرحيين الجزائريين إلى تراث برتولد بريخت فهي تقنية "التغريب" الذي يعني وفقا لبريخت نفسه: " نزع البديهي والمعروف والواضح عن هذه الحادثة أو الشخصية وبالتالي إثارة الاندهاش والفضول حولها"، أو "نفي المادة الحسية ويستعين بالتاريخ" بتعبير الناقد الجزائري مخلوف بوكروح. إن الهدف الجوهري وراء توظيف المسرحيين الجزائريين للمسرح الملحمي كما هو عند بريخت هو تجاوز المنطق المسرحي الأرسطي، ونظرية الانعكاس التي يعمل بها المسرح الواقعي ذي الطابع المرآوي البحت.

بشكل عام فإن المضامين السائدة في الإنتاج المسرح الجزائري، تأليفا وتمثيلا، منذ الاستقلال إلى مرحلة التسعينات من القرن العشرين قد انصبت على نقد البيروقراطية المتفشية في البلاد والعراقيل التي تعرقل بناء الاشتراكية وظواهر الانتهازية والجهوية. أما في فترة العشرية السوداء فقد انحصر مدّ المسرح الجزائري عن الإبداع في المضامين والتقنيات أسوة بما كان عليه الوضع في جميع الحقول الثقافية الأخرى، وقد تعمق هذا الشرخ في نهايات القرن العشرين وفي العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين جراء وفاة الكثير من كبار المسرحيين الجزائريين، واغتيال عبد القادر علولة وهي الوضعية التي أدت ولا تزال تؤدي إلى ضمور وانكماش الحياة المسرحية الوطنية رغم بعض المحاولات التي تبذل من طرف مسرح الهواة، ومن خلال الإنتاج المسرحي الإذاعي والتلفزيوني الرسمي الذي يكرس مواجهة ما يسمّى بآفة الإرهاب، والتناقضات الاجتماعية التي تفرزها المرحلة الرأسمالية الوحشية المستوردة.

إن مشهد المسرح الجزائري الحالي العام يفتقر إلى إبداع المناهج والتقنيات المسرحية ذات الطابع الجزائري أو تطوير ما هو مطروح في المسرح العربي أو العالمي.

أما على صعيد نشر المسرح وبناء المؤسسات المسرحية الأكاديمية ذات التخصصات المتعددة فإن وزارة الثقافة الجزائرية لم تنجز شيئا يذكر في هذا المجال الحيوي إذ بقيت عاصمة البلاد دون مسارح حديثة جديدة ماعدا بناية المسرح الوحيد واليتيم الذي تركته فرنسا. وهكذا لم تؤسس المسارح في الدوائر عبر القطر كله، ولم يحدث الشيء نفسه في المدن الصغيرة وفي الأرياف ذات الكثافة السكانية.

أما على صعيد المؤسسات الأكاديمية فليس هناك تطور ملحوظ في مجالات المناهج والتأطير وتكوين المخرجين وكتاب المسرح وفنّي السينوغرافيا والتصميم، والممثلين والممثلات على أيدي إطارات ذات كفاءة عالية، إذ لا تزال مدرسة برج الكيفان بضواحي العاصمة يتيمة دهرها على المستوى الوطني برمته أما من حيث الكيف فهي تفتقر إلى إطارات مشهود لها في الساحة المسرحية الوطنية والإقليمية والدولية.

11