المسرح السياسي يرصد الانتفاضات وصراعات السلطة

"أوبرا بنت عربي".. فانتازيا استعراضية تهزّ عروش الاستبداد، من خلال مراهنتها على تكافؤ البشر في القوة، ومعلية شأن القدرات الاستثنائية لذوي الاحتياجات الخاصة.
الاثنين 2019/07/29
مسرح يكشف خفايا القصر بالرقص والغناء (تصوير: محمد حسنين)

لا تقف خيالات المسرح عند حد، فهو فن الطموح إلى التجديد وتخطي المألوف وتحطيم العلبة التقليدية برؤى مبتكرة ومعالجات مغايرة. وفي هذا الفضاء، حلّقت المسرحية المصرية “أوبرا بنت عربي” التي عرضت مؤخرا بالقاهرة.

القاهرة – سلكت مسرحية “أوبرا بنت عربي” في القاهرة مسارًا مختلفًا بتناولها من خلال الاستعراضات الغنائية والقالب الأوبرالي التجريبي قضايا سياسية واجتماعية شائكة في إطار فانتازي، مستعينة بفريق من ذوي الاحتياجات الخاصة ونجوم السيرك القومي والألعاب الخطيرة.

وهذا العمل من إنتاج فرقة مسرح الشمس، لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة، التي اختتمت عروضها مساء الأحد 28 يوليو على مسرح السلام بالقاهرة.

وأعادت المسرحية صياغة مفاهيم المسرح السياسي بأداء حركي تعبيري استلهم التاريخ والأسطورة، ليراهن العرض على تكافؤ البشر في القوة، مُعْليًا شأن القدرات الاستثنائية لذوي الاحتياجات الخاصة، ممن يمكنهم الاتحاد والثورة على السلاطين والحكّام الجائرين، وتهديد عروشهم بكلمة الحق.

البشر متساوون

أوبرا بنت عربي

أكثر من مغامرة خاضها العرض المسرحي، من تأليف ياسمين فراج وإخراج هشام علي وديكور رامة فاروق وأزياء أميرة صابر، حيث سعى إلى تقديم أوبرا في ثوب عربي بأداء غنائي لمجموعة من الشباب وراقصي”الهيب هوب” وأعضاء فرقة مسرح الشمس ونجوم السيرك القومي، بالإضافة إلى نخبة من ذوي القدرات الفذة من أصحاب الاحتياجات الخاصة.

انسجم التعبير الحركي للشباب مع التعبير التمثيلي والجسدي لأبطال العرض علاء قوقة وماهر محمود ونهاد عبدالفتاح وغيرهم، بمصاحبة صوت الساردة الفنانة المخضرمة سميحة أيوب، وتكاملت منظومة الفنون والألعاب المتداخلة بقصائد وأوبريتات مغنّاة من أشعار سامح مجاهد وألحان أحمد الناصر.

راهن العرض على فكرة أساسية هي أن البشر متساوون في مواهبهم وقوتهم وطاقتهم، مهما بدا ظاهريًّا أنهم حُرموا من بعض الأعضاء أو الحواسّ بفعل حرب أو إصابة أو مرض أو سبب خلقي، فكل من له احتياج خاص أو لديه إعاقة ما أو تلعثم أو اختلاف شكلي هو إنسان كامل الإرادة والأهلية، بل إن لديه تفوقًا استثنائيًّا في مجالات ما أخرى، وهو قادر على تخطي عجزه وتحويله إلى معجزة مدهشة.

شرارة الظُّلم

أوبرا بنت عربي

يمكن تصنيف “أوبرا بنت عربي” تحت مظلة المسرح السياسي العريضة، لكنها أضافت إلى ملامح هذا اللون الفني الكثير، بانطلاقها من معالجة أسطورية، واتكائها في الأساس على الاستعراضات والأغنيات والحركات الأكروباتية الفذة التي جمعت البشر والحيوانات
المدربة أيضًا، التي لا يُستهان بمقدرتها على العطاء هي الأخرى، كما في استعراض رقعة “الشطرنج” على سبيل المثال.

كشفت المسرحية كيف تتنامى انتفاضات الشعوب وثوراتها من شرارة صغيرة يُحدثها الظلم، وقدّمت قراءة ثاقبة لصراعات السلطة والحُكم وألاعيب السياسة وانتهازيات الوزراء والمسؤولين من زبانية السلطان ومعاونيه، والطامعين في عرشه في الوقت نفسه.

عبر حوالي مئة دقيقة، صوّرت المسرحية في فصلين بينهما استراحة قصيرة نشوء خلاف بين الزعيم الظالم “نيار” وقائد جيشه “عربي”، الذي فقد إحدى عينيه في معركة حربية دافع فيها عن البلاد بشرف، واتخذ الزعيم- الملك قرارًا بعزله بسبب تلك الإصابة، وسخر من عجزه “لم يعد الصقر لقبًا مناسبًا لك أيها الأعور”.

أكثر من مغامرة خاضها العرض المسرحي في دراما ملحمية أوبرالية تجمع ألوانًا فنية مختلفة وألعاب السيرك والأكروبات

وبعد عزل عربي من قيادة الجيش، استشعر خطرًا على بلاده بسبب تواطؤ الملك مع الأعداء، فاستقطب عربي مجموعة من المستضعفين والمظلومين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة إلى الضفة الأخرى من النهر، وكوّنوا مجتمعًا نظيفًا قويًّا وجيشًا بديلًا تحت قيادته، تسوده المحبة ونقاء القلوب والقوة الروحية، ولديه كذلك مقدرة على القتال واسترداد الحقوق باليد والسلاح.

إلى جانب جرائم الحاكم الظالم في حق شعبه، وفساده الأخلاقي وعربدته وسكره، أقدم على جريمة أخرى، باستبداله ابنته “أوبرا” التي ولدت عمياء بابن قائد الجيش المعزول عربي الذي وُلد في اليوم نفسه، خشية أن يعاير الشعبُ الملكَ بأن له ابنة ضريرة.

مرت السنوات، وهرب ابن الملك المزيف من حكم أبيه الملوث إلى مملكة عربي وشعبه النبيل، والتقى الفتاة التي يظنها عربي ابنته، ونشأت بينهما قصة حب، وتعلم الشاب أخلاقيات المجتمع الجديد (الرضا، والقناعة، والأمل، والحلم، والمحبة)، لكن عربي رفض زواج الشاب والفتاة، بسبب جرائم الملك التي ستظل تلاحق ابنه.

هنا، حانت لحظة المواجهة، وعاد الشاب إلى أبيه المفترض “الملك” الذي أرهقه المرض والندم وطول البحث عن ابنه الغائب، وانحاز الشاب إلى الشعب المظلوم ومجتمع الفقراء والعجزة وإلى صوت قلبه، واتخذ قرارًا بعزل الملك، مفسدًا خطط الوزراء والخونة في الإطاحة بالملك وإسقاط المملكة، ليبدأ عهدا جديدا بفضل صوت الثورة وانتفاضة الشعب الذي تحرر من الخوف.

دوائر الإبداع

أوبرا بنت عربي

في سياق الحكاية الرئيسية الأسطورية، أبرز العرض تفاصيل الصراع على السلطة، وألاعيب السياسة في قصر الحُكم، منها على سبيل المثال خطط الوزير “إنكار” ونصائحه الخبيثة للملك، التي أوصله بها إلى الضعف والتفكك ونيل كراهية الشعب، وهو ما أراده الوزير ليقترب تدريجيًّا من كرسيّ العرش، لولا عودة الأمير الشاب قبل تسلل الأعداء.

جاءت لغة العرض، سردًا وحوارًا، محملة بروح الحكمة والفلسفة ومشحونة بالشعر والأدبيات البليغة، بما حمّلها فوق طاقتها في بعض الأحيان “الشر الكامن يقتات على الليل المظلم، ليدمر الحياة ويدشن عرشًا للشيطان”، لكن مثل هذه النوافذ فتحت المجال واسعًا للتأمل والتعمق، واستعادت أجواء “ألف ليلة وليلة”، خصوصًا مع صوت الساردة العليمة “سميحة أيوب”، بهدف استكمال جوانب خفية في الحكايات الدائرة.

اتسق الديكور والأزياء التنكرية غير التقليدية مع الطقس الفانتازي للعرض، إلى جانب الماكياج الغرائبي وأقنعة التنكر والخدع، وشهد العرض تفوقًا كبيرًا في التعبير الحركي الجماعي، كما في المعارك، والمبارزات الثنائية بالسيوف، وطوابير الجيوش، والاحتفالات بتتويج الشاب ملكًا، والمناسبات الترفيهية والأكروباتية، وغيرها من المشاهد التي تطلبت تدريبات كثيرة، واشترك فيها ذوو الاحتياجات الخاصة بأداء مذهل خارق.

خلص العرض إلى أن الفرق بين الإنسان والآخر يكمن في العقل والقلب، فهما الجوهر، وما عداهما مجرد أدوات يمكن تنميتها وصناعتها إذا لزم الأمر، وقرنت المسرحية الخلود بقيمتي الشجاعة والشرف.

أما كلمة النهاية فقد كتبتها الفتاة “أوبرا”، بافتخارها بأنها ليست ابنة الملك الفاسد الضعيف “نيار”، وإنما هي “أوبرا بنت عربي”، ذلك الرجل الفارس الذي علّمها العفة والكرامة ونشيد الحرية “افعلْ، انهضْ، عِشْ.. إما أن نيأس ونموت، أو أن نجبر الأرض على أن تعجب بقوتنا”.

14