المسرح الفرنسي يسرد قصة واقعية عن صفقة غريبة زمن الاحتلال النازي

المسرحية تتحدّث عن صفقة ذات ملامح شيطانية في وقت كانت فيه النزاهة خاضعة للمغريات، ما يجعل كل الخيانات ممكنة.
الاثنين 2021/04/26
علاقات إنسانية متشعبة

في “وداعا مسيو هافمان” التي لا تزال تعرض على “فرانس. تي. في”، نقلا عن مسرح مونبرناس بباريس، يصوّر المؤلف والمخرج الفرنسي جان فيليب داغير جانبا من خفايا الاحتلال النازي لفرنسا، من خلال صفقة غريبة بين صائغ يهودي مطارد ومساعده الفرنسي.

بعد تعامله مع كلاسيكيات المسرح الفرنسي مثل “السيد” لكورناي، و”سيرانو دو بيرجوراك” لإدمون روستان، و”خدع سكابان” لموليير، قام جان فيليب داغيير بتأليف مسرحية “وداعا مسيو هافمان” انطلاقا من أحداث واقعية. وقد حصدت عند عرضها أول مرة أربع جوائز في مسابقة موليير السنوية، قبل تحويلها إلى شريط سينمائي من إخراج فريد كافايي، لم يكتب له التوزيع بعد بسبب الحجر الصحي.

وفي مناخ يغلب عليه الأزرق الليلي وديكور بسيط تُنسج أحداث المسرحية في فترة مظلمة من التاريخ الفرنسي المعاصر، حين واجهت فرنسا الاحتلال الألماني، وما عقبه من مطاردة لليهود التي انتهت بحملة “فالديف” عام 1942، حيث تمّ القبض على عدد كبير منهم ونقلهم إلى المعسكرات ولم ينج منهم إلاّ القليل.

من هذه القلة، جوزيف هافمان، الذي هرّب أسرته إلى سويسرا، ولما عاد ليواصل إدارة مصاغته وجد أن حياته مهدّدة، فاقترح على مساعده الفرنسي بيير فينيو أن يقبل إخفاءه في قبو بيته، ويتولى تسيير المصاغة عوضا عنه.

لم يرفض المساعد، ولكنه وضع شرطا غريبا، إذ طلب هو أيضا من عرفه أن يقبل بمنحه طفلا، أي أن يعاشر زوجة بيير معاشرة الأزواج لعله يفلح في ما فشل هو في تحقيقه، بعد أن أظهرت التحاليل أنه عقيم لا يُنجب. وبعد تردّد هافمان وممانعة الزوجة، تقبل الأطراف الثلاثة هذا الوضع الغريب واللاأخلاقي، امرأة لرجلين، واحد يحبّها ويريد أن يسعدها بطفل ولو من صلب غير صلبه، وثان اضطرته الظروف كي يرضخ لهذا الشرط حفاظا على حياته. ما جعل بيير يقول “أمام الحظ العاثر، سنكون سواء”.

هذا الوضع يوحي بأن المسرحية قد تأخذنا إلى مسرح البولفار، ولكنها تسير سيرا آخر لا يخلو من المشاهد المضحكة، بظهور عناصر جديدة تضع الأبطال في مآزق متعددة، حيث يبرع المساعد في إدارة المصاغة ويجدّد بضاعتها بحليّ ومجوهرات من صنعه، بشكل أغرى النازيين أنفسهم بارتيادها، فصار أوتّو أبيتز، سفير ألمانيا بفرنسا، من حرفائها، وقد بلغ به الإعجاب بالمحلّ و”صاحبه” أن توطّدت العلاقة بينهما حدّ اقتراح حفل عشاء على شرفه وشرف زوجته في بيت بيير فينيو، حيث يختبئ جوزيف هافمان.

ساد الظنّ في فرنسا أن المجتمع انقسم خلال الاحتلال النازي إلى أخيار وأشرار، إلى مقاومين وخونة، والمؤلف يبيّن بطريقة فنية أن الأمور ليست بتلك البساطة، فقد يأتي الفرد الشيء ونقيضه مدفوعا بأسباب قاهرة، فالبطل بيير فينيو لم يجد حرجا في ربط علاقة مع النازي أوتّو أبيتز، كي يضمن ازدهار تجارته، ويحقّق فوق ما حقّقه عرفُه، والحال أنه أنقذ هافمان من القتل، أو النفي إلى معسكرات الموت، مثلما أنقذ تجارته من سطو الغزاة عليها، كما فعلوا بالممتلكات اليهودية وخاصة التحف واللوحات الفنية.

والسفير الألماني لم يعاقب صديقه الفرنسي على مخالفته قانون حكومة فيشي، بإخفائه مواطنا يهوديا في بيته، بل رأى أنّه عمل بطولي في وقت عزّت فيه البطولات.

Thumbnail

في هذا الفضاء المغلق تجري أحداث المسرحية وتنتظم حياة يشترك فيها ثلاثة أشخاص على قاعدة الأخذ والعطاء، وهي صفقة ذات ملامح شيطانية في وقت كانت فيه النزاهة خاضعة للمغريات، ما يجعل كل الخيانات ممكنة، إذ صار بيير نوعا من الحد الجغرافي بين العالم الخارجي الذي احتلته جيوش هتلر، والعالم الخفي الذي تتواصل فيه الحياة، حيث الحلم والتفكير في خلق مستقبل مغاير برغم سوداوية المرحلة.

وقد ساهم أسلوب الكتابة وأداء الممثلين في تجنب فخاخ المبالغة، أو الوقوع في المجون والدعارة، فالخطابات كانت حيّة، تسمو بالذائقة، غايتها سبر نفسيات أبطال تتنازعهم إكراهات كثيرة، لا يملكون إلاّ التعامل معها بذكاء وإنسانية، فضلا عن شحن المسرحية بطاقة هزلية تخفّف ثقل الجوّ، فالمشاهد التي تثير الضحك كثيرة تتخلل المسرحية دون تهريج.

والمخرج اعتمد مبدأ التركيب السينمائي: مشاهد قصيرة، حيّة نشيطة، مع عمليات “قَطْع” سريعة تسندها موسيقى خفيفة ناعمة تناسب المقام. وبذلك أمكن للمسرحية أن تمضي على نسق سريع.

المسرحية مرسومة بخطوط نقية، وحبر ناعم يترك قدرا كبيرا للخيال في المساحات الفارغة كما في الخطوط، بأسلوب سمح لهذه القصة بالتألق على الرغم من ظلامية المرحلة التي حدثت فيها.

في فضاء ضيّق، وعبر حوارات مباشرة، تضرب في الصميم دون تزويق أو بلاغة متكلفة، استطاع جان فيليب داغير أن يقدّم وضعيات رومانسية وسياسية في الوقت نفسه، وأن يراوغ انتظارات الجمهور في أكثر من موقف، فضلا عن قدرته على التشويق.

والميزة الأخرى للعرض هي صدقه الفكري، فلا وجود هنا لخيّر في مواجهة شرّير، بل كل الشخصيات ينظر إليها ككائنات بشرية تحاول أن تتجاوز مأساتها في ظرف تاريخي صعب، حيث الأبطال عملة نادرة. ولا مانوية أيضا، فالوضع قوي بما يكفي لفهم غموض الرغبة واستحالة البراءة.

16