المسرح الكويتي.. أرخبيل فرجة مسرحية متعددة المشارب

الجمعة 2014/01/17
المسرح الكويتي.. يزاوج بين الإبهار والطرح الجاد

الدورة الـ14 لمهرجان الكويت المسرحي، كانت آخر حدث فني وثقافي عربي عرفته السنة المنقضية، ومما يلفت الانتباه في المهرجان أنه قدّم أرخبيلا من الفرجة المسرحية متعدّدة المشارب، حيث شوهدت فيه مسرحيات لفرق أهلية محترفة، وأخرى لشركات إنتاج خاصة، ثم مسرحيات للمسرح الجامعي أو للمعهد العالي للفنون المسرحية. وهذه خصوصية لافتة مقارنة بباقي المهرجانات، هنا بعض تجليّاته.. هنا بعض تحدّياته.

حين تسمع أن المسرح الكويتي الفكاهي، أو ما يطلق عليه عادة في أوروبا مسرح “الفودفيل”، يقدم عروضه لموسم كامل، مع إقبال عارم للجمهور، وفي قاعات وصالات كبيرة تمتلئ عن آخرها، بمتفرجين دفعوا سعر بطاقات الدخول.. فهذا مما يثير الانتباه حقيقة، ويثير في الوقت نفسه عدّة أسئلة..

حين تعلم كذلك أن الفنان المسرحي المشاغب، الفنان طارق العلي، أينما حلّ يقدّم مسرحياته في بعض المناسبات، ثلاث مرات في اليوم الواحد، وفي صالات يتجاوز عدد مقاعدها 5000 مقعد، ولم يعتمد في هذا إلا على خبر ينزل في الجرائد، وتجد الجمهور متنوعا، قدم للفرجة من البحرين أو من السعودية أو من قطر.. فهذا كذلك ما يثير انتباه الباحث والناقد المسرحي، وما يطرح علينا ضرورة التفكير في هذه الظاهرة المسرحية الفريدة، ومتابعتها بالدراسة والتحليل. فالمسرح الأوروبي مثلا يحتاج إلى دعم الدولة، وإلى مساهمة الرعاة من القطاع الخاص، وإلى إشهار في التلفزة وغيرها.. لكي تصل مسرحياته إلى مثل هذا الإقبال.


مسرح العبث


قدّمت فرقة مسرح الخليج العربي مسرحية الكاتب الكويتي سليمان الحزامي “امرأة لا تريد أن تموت”، وهي تنتمي إلى مسرح العبث بكل جلاء.. أن يكتب مؤلف مسرحي مثل سليمان الحزامي نصا مسرحيا فاتنا مثل هذا في بداية سنوات السبعين من القرن الفائت، لهو أمر مثير حقيقة بالنسبة إلى تصورنا الأوّلي عن المسرح في الكويت، في تلك المرحلة بالذات.. نعم، كان سليمان متأثرا بمسرح العبث الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي كان بصدد الانتشار. مسرحية الحزامي متفردة في قصتها، أصيلة في اقتراحها العبثي وإن كان بتأثر من حركته العالمية. فهي تقدم ثلاث شخصيات تلتقي مصائرها المختلفة عند قتل امرأة، كل واحد يحاول قتلها لكي يفك عن روحه اختناقا ما، ولكنها تعود حية ترزق.. هذا التشبث الغريب بالحياة هو فعل درامي عبثي حقيقي، مثله مثل فعل القتل المستحيل.. وأعتقد أن المسرح العربي في أغلب تجاربه، لم يعرف الطريق إلى التأليف والمساهمة في مسرح العبث بنصوص قوية إلا بعد محاولة الحزامي بسنين عديدة، مما يجعل من تجربة الحزامي رائدة في التأليف لمسرح العبث في العالم العربي.

طارق العلي نموذج للممثل الكويتي الجماهيري

ربما يستكثر البعض على المسرح العربي مساهمته في المسرح العالمي، وربما يعتقد أن للمسرح العربي مآلا وحيدا هو التبعية للمسرح الغربي، ولكن الحقيقة أن المسرح العربي تعتبر مساهمته الآن -وبشهادة نقاد المسرح في أوروبا- مساهمة فعالة في مشهد المسرح العالمي، مما لا ينفي تبادل التأثر بينهما.

فالمسرح الأوروبي الآن يتألق بفضل عدد هائل من الفنانين القادمين من خارج أوروبا، حيث يضيفون ثراء رهيبا للمشهد المسرحي الغربي، ولا أحد يعتبر أن هذه الإضافة هي غريبة أو استثناء، بل يتمّ استقبالها كإضافة أصيلة الانتماء للمسرح الغربي، فهل سنبقى رهن هذه النظرة الناقصة لإنجازات مسرحنا العربي؟ لا أعتقد.. وتجربة سليمان الحزامي في التأليف المسرحي تستحق أكثر من اهتمام بحثي ونقدي، ليس لأنها فقط أصيلة، ولكن لأنها دليل على ثراء المسرح العربي في الخليج منذ سنوات طويلة، ودليل على تفاعله مع المسرح العالمي بامتياز. مشهد المسرح الكويتي يزخر بحركة مخرجين شباب قوية، تشتغل على المسرح، وتقدم فرجة مسرحية متحررة من كل قيود، وتحقق تواصلا حقيقيا بين الجمهور وبين المسرح. وهي حركة إخراج غالبا ما تعتمد عنصرين: قوة الممثل، وضخامة السينوغرافيا. ولهذا، نلاحظ نوعا من اللهاث والجري نحو خلق الإبهار الجمالي الذي يكون دون مبرر في غالب الأحيان. ولهذا تميزت كذلك مسرحية “عتيج الصوف” و”من منهم هو” ببساطتهما السينوغرافية.

ربما يعتقد البعض أن للمسرح العربي مآلا وحيدا هو التبعية للمسرح الغربي، ولكن الحقيقة أن مساهمته اليوم باتت فعالة في مشهد المسرح العالمي


دينامية الإخراج


تنشط حركة التأليف والإخراج المسرحي في الكويت، كما دلت على ذلك الدورة الأخيرة لمهرجان الكويت المسرحي، وتبقى العلاقات المؤسسة بين المؤلف المسرحي وبين المخرج المسرحي في تجارب عدة متهافتة، وغير مسندة بتصور درامتورجي يكشف عن نواقص التأليف وهنّات الكتابة، ويمنح للمخرج مسارات إخراجية.

ولم يكن صدفة أن تخلق المسارح، خاصة الألمانية منها، وظيفة قائمة الذات، هي وظيفة الدراماتورج الذي يعهد إليه تخطيط السياسة المسرحية للمسرح، وطبيعة النصوص التي سيقدمها، كما يعهد إليه إعداد النص المسرحي للمخرج المسرحي. هذه هي النقطة التي تشكل في تقديري تحديا حقيقيا أمام المسرح الكويتي المعاصر، حتى لا تبقى جهود مخرجين متميزين تضيع مع نصوص مسرحية ضعيفة، أو العكس حين تتهافت نصوص قوية على يد مخرجين حديثي التجربة بالإخراج.

16