المسرح المقتضب لخوسيه مورينو أريناس بدأ من غرناطة

الكاتب خوسيه مورينو أريناس يحاول من خلال كتابه التماس حدود قضية الحرية الإنسانية، والمساواة التي يفرضها الوجود وتقاومها قوى خارجية، عدمية، تخطط لهدم ما حققه الإنسان.
الثلاثاء 2018/04/17
هموم الإنسان من الورقة إلى الركح

في توطئته التي تصدرت الكتاب الصادر في القاهرة مؤخرا، ضاما عددا من مسرحيات خوسيه مورينو أريناس، يقول الكاتب الإسباني خيرونيمو لوبيث موثو “هذا الكتاب الذي بين يديك يحتوي على عدة أعمال مسرحية لكاتب إسباني هو خوسيه مورينو أريناس. ربما فكر في المحيطين به عندما كتب هذه المسرحيات، من هنا نجد أن القضايا التي عالجها ترتبط تحديدا بهؤلاء، وهذا لا يعني أنه في قرارة نفسه لا يطمح لأن تصل أعماله إلى أقصى أرجاء العالم”.

حالة من الدهشة

الإطلالة الأولية على منطلقات أريناس المسرحية تؤكد على المقولة الشائعة “الانطلاق إلى العالمية يأتي من الارتكاز على ما هو محلي”. ولا ينفي ذلك أن أعمال المؤلف المسرحي والشاعر الإسباني خوسيه مورينو أريناس تتسم بما هو إنساني، عام، يبحث في عمق الوجود البشري، وإن بدا مرتبطا أساسا بأهل الأندلس الذين ينتمي إليهم.

 

بات من المسلمات اليوم أن الكاتب الذي يطمح إلى بلوغ العالمية عليه أن ينحت في محليته ويخوض بنصوصه في بيئته الخاصة، لكن الأمر ليس بهذه السهولة والارتباط السببي، إذ يتطلب مهارة وثقافة كبيرتين وأدوات وتقنيات متعددة تمكن الكاتب من الخوض في محليته برؤية مفتوحة على الكونية. وهذا ما حققه الكاتب المسرحي الإسباني خوسيه مورينو أريناس

صدرت مؤخرا الترجمة العربية لثلاث من مسرحيات أريناس القصيرة بعنوان “مسرح الهجرة”، قام بترجمتها المترجم المصري خالد سالم، وصدرت عن دار “العين” القاهرية.

المسرحيات الثلاث بعناوين: الشاطئ، المرآب، رحلة سفاري، وهي على الترتيب، وقد قدم للكتاب الناقد المسرحي الإسباني الشهير خيرونيمو لوبيث موثو، إضافة إلى مقدمة وافية عن مسيرة المؤلف كتبها المترجم نفسه.

أريناس المولود في قرية “البلوط” بغرناطة، جنوب إسبانيا عام 1954، يعد واحدا من الكتاب المسرحيين القلائل في إسبانيا الذين يكتبون هذا الشكل المسرحي، الذي يمكن أن نسميه المسرح المقتضب، يتمتع مسرحه بشكل عام بحس ساخر، يقترب من الكوميديا، لكنه يوظف هذه السخرية في سبيل معالجة القضايا الإنسانية التي تشكل إطارا واسعا يشمل النوع البشري في كل مكان على ظهر البسيطة، وبشكل أخص فإنه ينذر الكثير من كتاباته لمعالجة قضايا العنصرية، والتفرقة بين البشر، وربما يكون لنشأته الأندلسية، بكل ما تحمله من زخم تاريخي يصب في هذا الاتجاه من مغالبة هذه الإشكالية، أثر واضح في ذلك.

وتتغلف مسرحيات أريناس بروح التهكم والسخرية؛ ما يجعل شخوص أبطال مسرحياته يبدون كأنهم ينتمون إلى عوالم سريالية، لا تنتمي للواقع، لكن الانتماء لهذه العوالم نفسها لا ينفي الواقعية المفرطة لأبطاله؛ ما يجعلنا نتحدث في أعماله عن سريالية الواقع، وعدم معقوليته، التي ربما تتجاوز الخيال نفسه في الكثير من المشاهد، ورغم ذلك، فإنه يمكن لنا القول إن نصوصه تتصل بشكل ما بطروحات المسرح السريالي، والعبثي، واللامعقول، مع نقد عميق لعبثية التصرف الإنساني، كما يلاحظ متلقي نصوصه أنها تنم عن حالة من الدهشة، كوسيلة لكسر الفكر الأحادي، الذي يهدد حياة الإنسان ويحاصرها.

ثلاث مسرحيات

في المسرحية الأولى التي ضمتها هذه الترجمة “الشاطئ” يحاول المؤلف أن يستكنه أسرار المحاولات الدائبة للبعض، ممن يأتون من الشاطئ المقابل من البحر للوصول إلى الشاطئ الإسباني، في رحلات محفوفة بالمخاطر، تودي بحياة الكثيرين منهم في معظم الوقت، دون أن يظْهر أحكاما عليهم، بل من خلال رصد العلاقات الإنسانية المعقدة التي تنشأ بين هؤلاء، الذين يحملون اللون الأسود-في الغالب- وسكان الجنوب الإسباني الذين يستقبلونهم بين ظهرانيهم بكثير من الدهشة والوجل.

مسرحيات تنقد عبثية التصرف الإنساني
مسرحيات تنقد عبثية التصرف الإنساني 

المسرحية تحمل عنوانا أصليا مختلفا في لغتها الأم، حيث تأتي الترجمة الحرفية للعنوان الإسباني: سوف تصبح أسود، وهو العنوان الذي قام المترجم بتغييره ليصير: الشاطئ، وهي أطول المسرحيات الثلاث التي اشتمل عليها الكتاب، وهي ظاهرة بالكتاب، أعني تغيير العنوان الأصلي إلى آخر عند ترجمته، فقد عمد المترجم كذلك إلى تغيير العنوان الأصلي للمسرحية الثانية بالكتاب، والتي نشرها بعنوان: المرآب، بينما العنوان الأصلي كان الكشاف.

الكشاف أو المرآب تقوم على تقنية “المسرح داخل المسرح” أو الميتاتياترو التي تعتمد على فكرة أن الواقع ليس سوى تمثيل درامي، وأن الأشخاص الحقيقيين ليسوا سوى ممثلين في حقيقة الأمر؛ لذلك لم تضم المسرحية سوى خمسة أشخاص فقط هم: المشاهد، الممثل الأول، الممثل الثاني، الكشاف والمعاق! وجليٌ أن هؤلاء الأشخاص هم في الحقيقة ممثلون داخل مسرحية تمثل على خشبة المسرح، لكن المؤلف نقلهم من المسرح الخيالي إلى المسرح الحقيقي؛ إيهاما للمتلقي أن الخيال هو الواقع.

ويلفت الانتباه بشدة كذلك في هذا النص المسرحي أن المؤلف لم يضع تصوره الشخصي للديكور المطلوب، في حال تنفيذها على الخشبة، كما جرت العادة مع الكتاب المسرحيين، بينما اكتفى بإشراك الجمهور الحقيقي بالإشارة إلى أهمية مشاركته في تنفيذها بهذه العبارة “مع التعاون القيم للجمهور”.

نفس الأمر، أعني الاقتصاد الشديد في حضور العنصر البشري في المسرحية، ينطبق على النص الثالث والأخير في هذا الكتاب، وهو مسرحيته “رحلة سفاري”، التي اختار لها المؤلف أن يكون موقع أحداثها في وسط إحدى الغابات الأفريقية، بمشاركة ثلاثة أشخاص فقط، تسميتها ذات دلالة فارقة في إطار رؤيته للآخر؛ إذ هم: رجل، امرأة ومواطن أفريقي، وكأنه جنس آخر مختلف عن جنس الرجل الأول.

في هذه المسرحية يحاول أريناس التماس حدود قضية الحرية الإنسانية، والمساواة التي يفرضها الوجود وتقاومها قوى خارجية، عدمية، تخطط لهدم ما حققه الإنسان من تقدم وتطور فكري، في تماس واضح مع أفكار فلسفية تقدم تصورات خلاقة في هذا الإطار.

14