المسرح الورقي عروض مصرية تضم كل الفنون

المخرج المسرحي المصري عاطف أبوشهبة: "في غياب لأي دعم بدأنا في تأسيس مسرحنا في المنزل".
الجمعة 2018/08/03
الفن في خدمة الناس

قد لا يقدر الفن على تغيير الواقع مباشرة، ولكنه يغير من وعي الأفراد القادرين على تغيير الواقع، ومن هنا تكمن أهميته حيث لا يكتفي الفن بالتغيير السطحي بل هو تغيير في العمق، وهذا ما يطرح على العاملين في الفن والإبداع بشكل عام الالتحام بقضايا واقعهم، وعدم التنصل من مهامهم تجاه جماهيرهم. “العرب” كان لها لقاء مع المسرحي المصري عاطف أبوشهبة الذي يناضل منذ سنوات بالفن لتغيير الواقع، إيمانا منه بقدرة الفن على التغيير.

عاطف أبوشهبة فنان مصري ومخرج مسرحي، مهموم بالفن، يعرف تماما أنه الوسيلة القادرة على تغيير سلوكيات الأطفال والمجتمعات، وإيمانا منه بدور الفن والفنان في الولوج إلى أعماق الحياة البشرية على اختلاف تفاصيلها وعناصرها أسس فرقتي “الطيف والخيال” و”الشروق المسرحية للمكفوفين”، كما قدم مبادرتي “الفن ميزان” و”بكرة أحلى”، وعلاوة على ذلك أدخل في العام 2014 المسرح الورقي إلى مصر، ويحلم يوما ما بأن يؤسس مهرجانا مسرحيا ولو صغيراَ، لكنه يعاني كما يعاني معظم فناني الوطن العربي من قلة الدعم.

مسرح ورقي

في بداية العام 2016 أخرج عاطف أبوشهبة الدفعة الأولى من ورشة المسرح الورقي، وهو فن عريق في اليابان يعرف باسم “الكانيشيباني”، الذي يعتمد على مادة “الكرتون”، ليصبح أول من نقل تلك التجربة إلى مصر.

يقول أبوشهبة “من اللحظة التي وهبت فيها نفسي للفن وضعت نصب عيني إيصاله إلى مستحقيه، أن يكون في خدمة الناس وعندما نعرف أنه لا يوجد في تاريخ مصر سوى مسرح عرائس واحد (مسرح العتبة) أسس في القاهرة في الستينات، بينما باقي المدن والمحافظات لا تعرف عنه شيئا، وأن ذلك المسرح ليس كافيا لخمسين مليون مواطن مصري حينها، فكيف سيكون كافيا اليوم وقد أصبح عدد سكان مصر حوالي مئة مليون”.

ويضيف “في البداية، أسست فرقة ‘الطيف والخيال‘، وكنت أعتمد على القليل من الأنابيب أقوم بتجميعها لأصنع مسرحا يمكن نقله بسهولة إلى القرى والمدن المصرية، بعد ذلك وأثناء بحثي الحثيث عن أشكال مسرحية غير مكلفة، جميلة ويمكن نقلها إلى الجمهور بيسر وسهولة سواء إلى المدارس أو البيوت أو نوادي الشباب وغيرها، وقعت عيني بالصدفة على المسرح الورقي، وأعجبني جدا، وعرفت لاحقا في أحد الملتقيات الفنية أن هذه التجربة قد سبقني لها عربيا الفنان الفلسطيني عبدالسلام عبده”.

ما ينقصنا حقيقة هو اقتناع الدولة بفكرة وأهمية الفن في تغيير المجتمع، فبالفن نغير سلوكيات الأطفال والمجتمع

ويذكر أبوشهبة أنه إثر ذلك بدأ يتابع ذلك الفن، رغم أن الفن في اليابان يخلط خلطا مقصودا ما بين الدين والأسطورة والفن، كما يقول، ثم بدأ الغوص فيه ودراسته وتحليله لعامين متتاليين على اعتبار أن الوسيلة الوحيدة المتوفرة له، كانت عبر الأفلام الموجودة على النت، في ظل غياب كامل لأي كتاب نظري، يمكن الوصول إليه في الوطن العربي، الذي يعاني تقصيرا عموما في توفير كتب حتى عن مسرح العرائس وخيال الظل، رغم توفر العشرات من رسائل الدكتوراه النظرية.

ويتابع الفنان “بعد أن أعجبني ذلك الفن الورقي وجربته فعليا، توصلت برفقة ابني شادي الذي يعمل أيضا في مجال العرائس، إلى أفكار جديدة في التحريك، لكنها مكلفة وبحاجة للتجريب، ولأننا نعمل بشكل مستقل وبعيدا عن أي دعم سواء كان خاصا أو حكوميا، كان لا بد لنا من صنع مسرح صغير في المنزل، وقررنا لاحقا إقامة ورش حوله، لكن هذه الورش ورغم أهميتها في المجال التربوي والتعليمي وحتى المجتمعي، لا تلقى أي دعم من الدولة”.

أما عن السبب الأساسي الذي دفعه لبدء تجربة المسرح الورقي في مدينة الإسكندرية بدل من القاهرة مدينة إقامته الحالية، فيرجعه محدثنا إلى رغبته في تأصيل التجربة، ولكي يكتب التاريخ والباحثون مستقبلا أن هذا الفن نشأ في مدينة إسكندرية، هي مدينته.

ويؤكد أبوشهبة أن أهمية هذا الفن ليست فقط في إمكانية نقله وعرضه في أماكن غير تقليدية، بل أيضا في قدرته على الدمج مع الفنون الأخرى كالموسيقى والمهرج، وفن الصلصال أو النحت بالصلصال، التي كانت له تجربة فيها، رغم أنها لم تكن تجربة قوية، كما يقول، إلا أنها انتهت بعرض للأطفال.

ويقول الفنان “بدأنا الورشة الأولى في مكتبة إسكندرية على اعتبارها صرحا فنيا وثقافيا كبيرا، وكانت تلك الورشة مجانية ولكن كان على عاتق الطلبة إحضار الخامات على نفقتهم، بمساعدتي، وبطبيعة الحال المكتبة لها معاييرها وشروطها وتقاليدها بالنسبة إلى أجور المدرب التي تعتبر بالنهاية مبالغ رمزية إلى حد ما، وحاليا نجهز للورشة الثانية.

 ما ينقصنا حقيقة هو اقتناع الدولة بفكرة وأهمية الفن في تغيير المجتمع، لأنه من خلال ذلك الفن ممكن أن نغير من سلوكيات الأطفال والمجتمع لاحقا، وخصوصا أنه فن يذهب لهؤلاء الأطفال، ولكن للأسف الدول العربية غير مهتمة عموما بالفن الأصيل ولا حتى بالطفل، كما دول مثل اليابان والصين والدول الأوروبية”.

قيمة الفنان

عن حضوره كفنان ومؤسس للمسرح الورقي في المهرجانات المسرحية العديدة، يقول أبوشهبة إنه على المهرجانات أن تبحث بنفسها عن كل ما هو جديد في الفن، وأن تهتم بوجوده ضمن عروضها، مؤكدا أنه في السابق كان قد اضطلع كل من إسماعيل عبدالله وغنام غنام، من الهيئة العربية للمسرح بتجربته المتعلقة بالعلاج بالفن حول متلازمة داون.

العديد من الفنانين في الوطن العربي، مهضوم حقهم رغم نبوغهم وإبداعاتهم، كما لا يوجد وعي بأهمية العمل الجماعي

 وهي التجربة التي جعلت هؤلاء الأطفال المصابين بالمتلازمة، مشاركين وليس فقط متلقين للعرض المسرحي، حين قاموا بتصنيع الدمى وكتابة القصة وتقديم العرض، وكيف دعته الهيئة حينها للمشاركة في أحد المهرجانات التي تنظمها، ولكن ولكون التجربة كانت تطوعا شخصيا وتعتبر جديدة في العمل مع أطفال مرضى التوحد، طلب أن يكون العرض خارج المسابقة.

ويؤكد الفنان المصري على الدور الذي تقوم به الهيئة العربية للمسرح، والذي يضاهي دور الدول، ولكن وعلى أهميته يعتبر خطيراَ، كما يقول، فحين تقيم الهيئة أكثر من عشرين مهرجانا في دول عربية مختلفة، تتقاعس الدولة عن رعاية الفن والثقافة على المستويين الرسمي والمستقل، وتجعل من الهيئة شريكة بدلا من كونها ضيفة، بالعموم.

 ثم إن عدد المهرجانات في الوطن العربي قليل وضعيف، ولا يكفي حجم البلاد العربية وتنوعها، وحتى المجلس الأعلى للثقافة في مصر يقوم اليوم بدور أصبح ثقيلا جدا، على اعتباره يعمل في عدة مجالات، ولكن رغم ذلك يبقى هو المتحكم في الموقف، وهذا ليس اتهاما له، بقدر ما هو واقع نعيشه اليوم ليس فقط في مصر وإنما في العالم العربي كله.

ويشدد أبوشهبة على أنه من الفنانين الذين لا يعرفون طرق الأبواب ولا (الشللية)، ويعتقد دوما بقيمة الفنان، وأن هناك العديد من الفنانين في الوطن العربي مهضوم حقهم رغم نبوغهم وإبداعاتهم الفنية، كما أن مسألة عدم الوعي في الوطن العربي بأهمية وفكرة العمل الجماعي بمعنى السعي إلى إنجاح أي تجارب فردية، تؤثر كثيرا على الفنان، وأتى على مثال من البرازيل وتحديدا في المدينة الصغيرة التي زارها مؤخرا أثناء مؤتمر “العلاج بالفن” والتي وجد فيها ثلاثة مسارح للعرائس، وهي مسارح خاصة، وكيف أن فكرة تأسيس مسرح مستقل في وطننا العربي، ممكن أن تلقى الكثير من العقبات وربما الهجوم على اعتبارها فكرة جديدة.

15